في لحظة خاطفة، وبين طواف ودعاء وطمأنينة تظلل أقدس بقاع الأرض، انشق المشهد على ما لا يتوقعه القلب: رجل يرمي بنفسه من الطابق الثاني في الحرم. ثوانٍ قليلة كانت كفيلة بأن تحول الحدث فاجعةً، لولا أن العناية سبقتها بيد يقظة من رجال الأمن. ما جرى ليس بطولة فردية فحسب، بل نافذة تطل على منظومة كاملة تعمل بصمت: الأجهزة الأمنية السعودية التي تتولى أمن الحرمين بخبرة وتدريب وانضباط. في مثل هذه اللحظات لا ينفع الارتجال، ولا تجدي النوايا وحدها؛ الذي يصنع الفارق هو جاهزية متراكمة، وتمارين على إدارة الحشود، واستجابة فورية تعرف أين تقف؟ وكيف تتحرك؟ وكيف تقدم الإنسان أولاً؟ ذلك رجل الأمن لم يكن يبحث عن تصفيق أو صورة. كان يفعل ما يعنيه الواجب في المكان الذي تتضاعف فيه المسؤولية: حماية الأرواح وصيانة السكينة العامة. اندفع ليصد السقوط، وكأنه يقول بالفعل إن الأمن ليس حراسة ممرات وأبواب، بل حراسة معنى الحياة نفسها. لو وقع هذا المشهد في زمن القصيدة، لتسابق الشعراء إلى تخليده. غير أن زمننا أحوج إلى تثبيت الدروس: الشجاعة قد تكون صامتة، والاحتراف قد يكون رحمة. وفي الحرم، تتجلى حقيقة بسيطة وعميقة: إن أمن الناس عبادة أخرى، وإن وراء المشهد رجالاً وأجهزة يسهرون كي تبقى الطمأنينة أعلى من كل اضطراب. د. عادل المكينزي