في زيارة ميدانية لأحد أكثر المكاتب البلدية حركة في شرق الرياض، بدأ مكتب "مدينتي" وكأنه نموذج مصغّر لحياة الحي داخل مبنى إداري واحد، الزوار في كل الاتجاهات، مواطنون ومواطنات يتنقّلون بين نقاط الخدمة، موظفون ينجزون معاملات إلكترونية عبر شاشات رقمية، ومراجعات من النساء ينتظرن دورهن بهدوء ويتابعن على هواتفهن مسار معاملاتهن، لم يكن المكان صاخبًا رغم كثافة الحركة؛ كل شيء يسير بهدوء منظم، وسلاسة في إدارة الخطوات، وكأن المكتب يتدخل لنزع التوتر عن المراجع قبل أن يولد، عبر اختصار الوقت وتوضيح المسار في نقطة واحدة.، بدأ المشهد وكأن الخدمة البلدية هنا لم تعد "جهة مراجعة" وإنما منصة ذكية داخل الحي، وعلى أحد جوانب القاعة، كان هناك حضور مختلف فريق طبي ميداني من جهة صحية، يقيس العلامات الحيوية للزوار ويقدم نصائح توعوية، في صورة توحي بأن خدمة المواطن في هذا المكان توسّعت لتشمل الصحة وجودة الحياة وليس المعاملة الورقية فقط، هذا المشهد عزّز الانطباع بأن "مدينتي" يسعى ليصبح واجهة حضرية متكاملة، حيث تتقاطع الخدمات البلدية مع الاهتمام المجتمعي اليومي، تحت سقف واحد. دقائق فقط "أم هادي المقبل" حضرت وفي يدها ملف صغير يحتوي على مخطط منزلها، كانت تتابع إجراءات الحصول على "مصغّرات معمارية" تمهيدًا لبدء مشروع ترميم منزلها خلال الأشهر المقبلة، تقول بابتسامة: كنت أتوقع أن أتنقّل بين أكثر من جهة، وأن يضيع نصف يومي بين مكاتب مختلفة، لكن منذ لحظة دخولي، استقبلتني موظفة الاستقبال ووجّهتني مباشرة للكاونتر المناسب، وتم إدخال بيانات طلب الترميم على النظام أمامي بشكل واضح، مضيفةً: "لم يستغرق الأمر سوى دقائق، وبعدها وصلني إشعار إنجاز الطلب ونسخة إلكترونية على هاتفي، بدون الحاجة لزيارة جهات أخرى أو العودة مرة ثانية"، واصفةً تجربتها أنها اختصار كبير للوقت والجهد، مقارنة بما اعتادت عليه سابقًا عندما كانت إجراءات مثل هذه تستلزم المرور على أكثر من مكتب ومراجعة أكثر من مرة، مختتمةً حديثها: "لو بقيت الخدمة بهذا التنظيم والوضوح، سنشجع غيرنا على إنهاء معاملاته عبر مكاتب مدينتي، الخدمة هنا ليست فقط إنجاز معاملة، بل شعور أن الإدارة قريبة من الناس فعلًا". أنظمة موحدة وأكد خالد القحطاني -المدير العام لمكتب "مدينتي" بقطاع الشرق- على أن نموذج "مدينتي" جاء ليقرّب الخدمات البلدية من السكان داخل الأحياء، ويمكّن المجتمع من أن يكون شريكًا في صناعة المبادرات والخدمات البلدية، ضمن أسلوب جديد يركز على تجربة المستفيد وجودة الخدمة وسرعة الإنجاز، ويختص مكتب "مدينتي الخليج" بمتابعة طلبات وبلاغات المستفيدين واستقبالها ومعالجتها، وتصعيد ما يستدعي ذلك للجهات المختصة، إضافةً إلى تنشيط المشاركة المجتمعية عبر مبادرات محلية وأنشطة داخل نطاق القطاع، مبيناً أن هذا النموذج يعوّل على فرق عمل وطنية مُمكّنة وأنظمة رقمية موحدة، تسهّل تقديم الخدمة وتقلل الحاجة للتصعيد المركزي، بما يصنع رحلة خدمة أكثر سلاسة للمواطن والمقيم، ذاكراً أن المكتب يعمل بشكل يومي ضمن منظومة من المنصات الرقمية البلدية مثل "بلدي"، و"عين اليمامة" و"نظام CRM" و"نظام راقب، مما يسهم في رفع كفاءة المعالجة وتحسين جودة الإنجاز، مشيراً إلى أن الملاحظات التي تصل من المستفيدين تمثل مصدر تحسين دائم، لذلك تُراجع مؤشرات الأداء ونتائج التقييم بشكل متواصل. كوادر وطنية واعترف القحطاني أن المكتب واجه في بدايات التشغيل تحديات مرتبطة بكثافة الطلبات وتعدد المسارات، غير أن تحسين بيئة العمل وتعزيز التكامل الداخلي ورفع مهارات فرق العمل ساعد على استقرار المؤشرات وتحسن الاستجابة، مضيفاً أن المكتب يفخر بكوادره الوطنية من نساء ورجال الذين يعملون بروح المسؤولية والمرونة المؤسسية، أمّا على مستوى المبادرات، فيركز المكتب على دعم الفعاليات المجتمعية، وتعزيز الشراكات المحلية والتطوعية، والمساهمة في خلق بيئات حضرية أفضل داخل نطاق قطاع الشرق، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 وبرنامج جودة الحياة، كاشفاً أن خطط العمل القادمة تتجه إلى تطوير بيئة الاستقبال، ورفع كفاءة الأنظمة التشغيلية، وتوسيع قاعدة الشركاء المجتمعيين، وتعزيز المسارات الرقمية، لرفع مستوى الخدمة وتحسين تجربة المستفيد بشكل مستمر، وفي رسالته لسكان الأحياء، شدّد على أن "مدينتي" وُجد ليكون قريبًا منهم وشريكًا في تطوير الأحياء، وأن ثقة السكان وملاحظاتهم هي أساس نجاح هذا النموذج، مؤكدًا أن المكتب يسعد بخدمتهم في كل وقت. تفكيك التوتر وشرحت سديم شاجري -اختصاصية خدمة العملاء- أن وظيفتها لا تقف عند حد استقبال المراجع، بل تشتمل على تفكيك التوتر، وإعادة صياغة رحلة الخدمة لتكون واضحة ومفهومة منذ اللحظة الأولى، تقول: إن معيار النجاح عندها ليس إغلاق التذكرة بل خروج المراجع وهو يشعر بأن وقته لم يُهدر وأن الجهة البلدية التي يقف أمامها تحترمه بالفعل، مستعرضةً يومها في العمل بشيء من العمق: "المراجع يدخل أحيانًا وهو محمّل بتجربة سابقة، ربما موقف في جهة أخرى أو تكرار مراجعة لمعاملة لم تتحرك، هذا الشعور يَدخل معي إلى المكتب، مهمتي الأولى هي كسر هذا الإرث، وبناء علاقة ثقة سريعة"، مبينةً أن الإنصات الحقيقي هو بداية الحل قبل أي إجراء نظامي أو رقمي، فكثير من حالات التوتّر تنحل لحظة أن يشعر الشخص بأنه أُخذ على محمل الجد، وأن هناك إنسانًا أمامه، لا نظامًا جامدًا ينفّذ تعليمات، موضحةً الفارق داخل مكاتب "مدينتي" بأنها بيئة تشغيل حديثة تعتمد على فرق عمل مرتبطة ببعضها داخل أيام العمل وليس عبر مسارات مكتوبة فقط، فالموظف لا يؤدي دوره بشكل منعزل، بل يُكمل حلقة داخل سلسلة خدمة تُبنى بين أكثر من شخص، مما يجعل تجربة الوصول إلى الحل أكثر سرعة وأقل تعقيدًا على الزائر، وهذا يعكس أنّ "مدينتي" جاء ليكون نموذج مختلف عن الجهات الخدمية التي اعتادها الناس قبل سنوات. معاملة عادلة وتبقى التجربة الأبرز في مسيرتها كانت عندما أدخلت لغة الإشارة إلى تعاملها اليومي، تروي إحدى الحالات: جاء مراجع من فئة الصم، وقف أمام الشباك مترددًا، ما إن بدأت الإشارة حتى تغيّر كل شيء، شعوره كان واضحًا، لقد شعر بأن هنا مساحة يفهمها وتفهمه، مبينةً أن هذه الفئة بالذات لا تحتاج رحمة ولا شفقة أو أي خطاب عاطفي، بل تحتاج شيئًا بسيطًا جدًا معاملة عادلة، واحترام، وأدوات للتواصل، واصفةً لغة الإشارة بأنها ليست مجرد مهارة مكتسبة، بل جسر يربطها بالآخرين ويمنحهم حقهم في الخدمة بشكل متكافئ، وفي رؤيتها لاحتياجات موظف خدمة العملاء اليوم، تقول سديم: إن أهم مهارة هي القدرة على الجمع بين معرفة النظام من الداخل، وإدراك النفس البشرية من الخارج، فالمراجع ليس رقمًا، وليس حالة إدخال بيانات، بل قصة وموقف وتوقع وتوتر، فأي موظف لا يستطيع أن يتعامل مع البعد الإنساني، لن ينجح مهما كان يعرف من نصوص نظامية، لافتةً إلى أن دور "مدينتي" ليس فقط تقديم خدمة بلدية، بل إعادة صياغة علاقة المواطن مع الجهة البلدية نفسها، وتطبيع الخدمة الحضارية في القرب من الناس، مختتمةً حديثها: "نحن لا نريد أن يتم الحديث عن ذوي الإعاقة أو كبار السن أو غيرهم كاستثناء، نحن نسعى لتكون الخدمة البلدية شاملة لكل شخص، بنفس الحق، ونفس التجربة، ونفس الاحترام، وهذه هي الجودة الحقيقية". إعطاء الوقت المناسب للمراجع قياس العلامات الحيوية إحدى مبادرات مدينتي