قبل كم يوم حضرتُ ورشة عن "السرد المصور" في مقر جمعية الأدب بالرياض؛ لمدة يومين "ثماني ساعات"؛ وكنتُ قبل بداية هذه الورشة التدريبية التي قدمتها لنا الدكتورة "حصة المفرح" في صراع ثقافي مع نفسي؛ بسبب عدم قناعتي بأن هذا الجنس من العمل يُعتبر "من أنواع السرد؛ ناهيك أن يكون أدبيّاً"؛ وكانت تدور في ذهني أسئلة كثيرة حوله؛ منها: هل يُعدّ هذا العمل فعلاً من أجناس السرد الحديثة أو المكمّلة؛وهو يكتسب قوته وأهميته من ظل التداخل بين الصورة والنص القصير جداً؛ الذي يُمثل ومضات إشعاعية سريعة؟ وتجاوزت هذا السؤال على مضض؛ وسألت نفسي: هل كلمة "سرد" ذات طابع مرن؛ قابلة للتطويع؛ ومع مرور الزمن تجاوزت حدود الجنس "السردي التقليدي"؛ الذي اعتدنا عليه في الرواية والقصة والحكاية إلى جنس سرد بصري "الصورة"؛ وتركتْ قراءة الصفحة بالشراكة بين "إبداع الكاتب في صورة الحكاية" وبين "حضور المتلقي الذي يستوعب إيحاءات ما يراه من نص قصير جداً مدعوم بالصورة"؟ لا شك نحن اليوم في عالم يزداد فيه حضور الصورة وبقوةٍ؛ ولم يعد حالياً السرد مقتصرًا على الكلمة المكتوبة أو المسموعة فقط؛ كما كان سابقاً؛ بل امتد ليشمل الصورة واعتبروها وسيلة تعبيرية وأعطوها مجاز السردية المطلقة؛ وهكذا فهمت من الورشة؛ وشاهدنا بروز ما يُعرف بالسرد المصور "الكوميكس"؛ واعترفوا به كشكل جديد من أشكال "السرد" الذي يعتمد على ثقافة رسم الصورة؛ وعلى التفاعل والتناغم بين الصورة والنص "مهما كان عدد كلماته". بصراحة لم أفهم تماماً ما المقصود بالسرد المصور "الكوميكس" قبل الورشة؛ وكنتُ رافضاً له على أنه "جنس سردي أدبي"؛ كنتُ أنظر لمثل هذا العمل على أنه حكاية مجلات وكتيبات صغيرة للأطفال. وعرفتُ مؤخراً أن "السرد المصور" هو عملية استخدام سلسلة من الصور "سواءً ثابتة أو متحركة؛ لنقل قصة أو فكرة أو مشهد درامي دون الحاجة إلى نص أدبي طويل؛ يكفيك كلمات قليلة مرافقة للصورة؛ ويمكن أن نراه في مجالات متعددة كثيرة: مثلاً في القصص المصوّرة خصوصاً بما يُسمى ب "الكوميكس"؛ونراه في الرواية المصوّرة وفي الصحافة؛ وربما تجاوز هذه المجالات الأدبية ودخل المجال العمل التجاري في بناء إعلانات تجارية. ولكن لماذا يُعد "السرد المصور" من أجناس السرد؟ وأتوقع أن "السرد المصور حقق هوية "جنس السرد" بسبب صور الشخصيات المرئية وتسلسل الأحداث فيها؛ وكنت أظن من الصعوبة وضع الحبكة في مثل هذا العمل؛ ولكني عرفت من خلال تسلسل الصور تستطيع بكل سهولة قراءة الحبكة؛ أما الزمان والمكان فيُستدل عليهما بصرياً. كما أن "تسلسل السرد المصور" يُحدث تفاعل جمالي وتأويلي لدى المتلقي؛ يُماثل ما يحدث عند قراءة نص أدبي مكتوب أو مسموع؛ فجنس "الكوميكس" يُراهن على قدرته التأويلية للبصر ويوظّف الرمز واللقطة والإيحاء والتدرج البصري تمامًا؛ مثلما يوظف السرد الأدبي اللغة والحبكة والتراكيب الأخرى داخل أحشاء النص. واكتشفت من خلال الورشة أن بين الكلمة والصورة هنالك تكامل وتداخل لا تنافس؛ بل توافق لا تضاد؛ وعرفتُ كذلك أن "السرد المصور" لا يتعارض مع الأجناس التقليدية المعروفة أو يُلغيها من الوجود؛ بل يكمّلها ويُثريها ثقافة؛ خاصة في الوسائط الحديثة؛ وكثير من الأعمال تعتمد على التكامل بين الصورة والنص مثل الروايات المصورة أو الكتب التي تمزج بين "الفوتوغرافيا" والذكريات. وفي الختام أظن كما فهمتْ: أن "السرد المصور" يُعتبر من أجناس "السرد المعاصرة" التي تعكس -بصورة واضحة-جداً تطور وسائل التعبير وتغير أنماط التلقي؛ وفي ظل هذا التحول البصري تبقى الصورة قادرة على أن تحكي وتتكلم بلغتها الخاصة التي قد تسبق الكلمة أحيانًا؛ ويمكن أن تتفوق عليها في التأثير على مشاعر المُتلقي. عبدالجبار الخليوي