كل فعل إنساني هو فعل بيو-ثقافي، فبالإضافة للإرث الغريزي والسلوكي والتكويني الذي استبقيناه من أسلافنا صعدنا خطوة للأعلى لنصبغه بصبغة إنسانية، لتنشأ دائرة جديدة أكبر أنشأناها عبر خلق فاصلة بين الاستجابات الغرزية البحتة وبين رؤيتنا الكونية النابعة من شعور بالتميز والمركزية. فقد بدأ الإنسان -حسب ميشيل فوكو- لصيقاً بالطبيعة ثم انفصل عنها، لينشأ تيار يرى أن السعادة في العودة للأصل الأول وتيار عارض ذلك. يمكن أن نقارب الطبيعة بوصفها التفاعل المستمر بين سمات ومحددات الإنسان وبين العالم الخارجي وما يعرض عليه من تغير، وهي بكلا اللفظين الإغريقي physis واللاتيني natura تعني القدرة على النمو كقوة حاضرة في الأشياء، ولكننا نعاني كثيراً عند تعريف الثقافة كونها مصطلح نشأ مع عصر التنوير وهو غربي الأصل، ويستخدم مرادفاً لمعنى الحضارة في أحيان، وأحيان أخرى كمفهوم يضم الحضارة. لعل المشكلة هي أن ترجمة المصطلح باللغة العربية لكلمة (ثقافة) مضلل، كون طبيعة المفهوم ترتبط بسياق آخر لا يتحدد معناه إلا في ظروفه، فالجذور العربية البحتة لا يمكن أن تشير لمعنى ذلك. وهو باللاتينية cultora ويعني التشذيب والتهذيب، ولكنه استخدم بشكل محدود حتى عصر التنوير ليشيع بين الفرنسيين ثم الألمان والإنجليز، وكان يستخدم عن طريق إضافته لشيء، وأول من استخدمه بمعنى عمومي هو فولتير، ثم بدأ يتحدد بعد ذلك كشأن مجتمعي بداية القرن التاسع عشر، من أوائل من استخدمه الأنثروبولوجي إدوارد تايلور في كتابه (الثقافة البدائية)، حيث عرفها بأنها المحصل الاجتماعي لكل من الاعتقاد والأدب والصناعة والعادات والتقاليد.. إلخ، وكل ما يطبع حياة الجماعة. ونشأت عدة مدارس تستند على المناهج التاريخية والأركيولوجية والأنثروبولوجية، منها ما نظر للثقافة بأنها كل ما هو مادي كالتقنية، ومنها ما ربط الثقافة بالشيء الرمزي كالدين والأسطورة والفن ونحوه، وفي حين ينظر المفكرون الفرنسيون للحضارة بالمعنى المادي والثقافة كمخزون روحي ورمزي، يكافئ الألمان والأميركان بين المنتج الحضاري والثقافي نوعاً ما، وسواء كانت العلاقة بين الطبيعة والثقافة تصادمية كما يراها نيتشه بأنها حرمان لإنسان من اللذة والمتعة باسم قيم عليا، أو فرويد كتحكم تعسفي في طاقة الحياة، أو إذا نظر للعلاقة بينها أنها توافقية، فإن كلا الاتجاهين ينظران لهما كحالة انتقال من ماهية ومحددات لأخرى. وسواء كان الخط الفاصل بين هذين المرحلتين هو اللغة أو أخلاق الزواج للأقارب، أو التقنية، أو السلطة أو نشوء الثقافة، فإن انتقال الإنسان بين محاولته تلبية متطلبات الطبيعة إلى متطلبات الاجتماع البشري والثقافي يمثل إطاراً كافياً على ضوئه يمكن اقتراح رؤية من دون الحاجة لصياغة نظرية تتناول كافة الأسئلة التي تثار فكرياً وفلسفياً عن الموضوعين، فما يهمنا هنا هو أن الإنسان الحالي في إطار مجتمعه نتاج تفاعل دائم بين متطلبات بحتة تفرضها عليه الطبيعة، وبين متطلبات فوق - طبيعية ذات معنى رمزي، فتزيين طبق من الطعام بشكل متناسق، وترتيب الجالسين حول المائدة بحيث تحمل معنى قيمي، وتلاوة دعاء شكر قبل مباشرة الأكل أفعال ثقافية تستبطن رؤية كونية، من هنا نستطيع أن نشير للجوهر الثقافي بوصفه السلوك الذي ينطلق من أفكار مفارقة، في المثال السابق كان الانتقال من الحالة البدائية للحالة الثقافية لدى الإنسان بتقدير قيمة الجمالي والأخلاقي والإلهي، وخلف ذلك مسعى خالد يميل ويستقيم عبر مسيرة التاريخ الإنساني للانعتاق من كل ما يؤطر سلوك الإنسان داخل الغرزي والطبيعي لآفاق أوسع. ربما هذا ما دفع الفيلسوف الألماني أوسوالد شبنغلر لملاحظة تدهور الحضارة الغربية في كتابه (أفول الغرب)، فهو يرى أن المخزون الثقافي المكون من الرؤية الكونية والفن والأخلاق ونحو ذلك هو الوقود الحقيقي للحضارة، وهو نتاج طبيعي وليس غاية في حد ذاته، ولاحظ أن الغرب يستنفذ هذا الرصيد وبالتالي فحضارته إلى زوال، ولعل هذا قريب من بعض أطروحات فلاسفة التاريخ العظام لا يسمح المقال بذكرهم، من هنا دعوة لجميع الأمم التي تبحث عن سبيل النهوض أن الطريق هو البحث والتمسك بكل ما يجعل وجودنا استثنائياً، بل بما جعل الإنسان إنساناً من الأساس، وهو العودة للقيم العليا والمطلقات والمفارقات عبر التقدير الأخلاقي والوقوف عنده والبحث فيه، وعبر تلمس طريق الروح، واستلهام وحي الفن، والتمسك والبحث عن الحق، وهذا جوهر سمونا عن جزئنا الطبيعي، فلنتأمل! أوسوالد شبنغلر