القيادة تعزي رئيس بنغلاديش في وفاة رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    بذل أكثر من نصف مليون ساعة عمل تطوّعي في المسجد النبوي خلال العام 2025م    سباق بين إنتر ويوفنتوس لضم كانسيلو    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    الأفواج الأمنية تُحبط تهريب ( 37,200) قرص خاضع لتتظيم التداول الطبي بجازان    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    القيادة تهنئ الرئيس غي بارميلان بمناسبة انتخابه رئيسًا للاتحاد السويسري    سبعة معارض فنية تعيد قراءة الحرفة بمشاركة أكثر من 100 فنان وفنانة    البلديات والإسكان تبدأ إصدار أكثر من 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في الرياض    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    وزير الداخلية السوري يحذر «فلول النظام البائد» من نشر الفوضى    زيلينسكي يناقش مع ترمب تواجد «قوات أميركية»    التحول الديموغرافي.. التحديات والحلول    فنزويلا تبدأ خفض إنتاج النفط وسط الحصار الأميركي.. والصين تتضرر    ارتفاع السوق    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    الرياضة.. من رعاية الهواية لصناعة اقتصادية    الخيبري: الاتفاق استغل فرصتين    رونالدو أعلى اللاعبين دخلاً في العالم    المملكة أكبر مستورد عربي للأغذية والمشروبات بقيمة 6.6 مليارات دولار    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    «الأزيرق».. الشتاء يطرق الأبواب    احذروا من أخطار الفحم    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    من التخطيط إلى التنفيذ.. «إكسبو 2030 الرياض» ترسي مشاريع البنية التحتية والمرافق الأساسية    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    تعزيز البحث العلمي في المجال الإسعافي    الجوائز الثقافية.. رافد أساسي لتطوير الحراك الثقافي    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    المنتدى السعودي للإعلام 2026 يطلق ثاني لقاءات مبادرة "ضوء" في القصيم لاكتشاف الريف والاقتصاد المحلي    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    زوّجوه يعقل    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    24 شركة تفوز برخص للكشف عن 172 موقعا تعدينيا    المملكة تستعد لانطلاق النسخة السابعة من رالي داكار    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    التدريب التقني يطلق ورشة عن بعد لتعزيز العمل التطوعي    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    20 عيادة تمريضية متخصصة يطلقها تجمع جازان الصحي    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    فلما اشتد ساعده رماني    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    مسحوق ثوري يوقف النزيف الحاد في ثانية    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آلة الإرهاب والاغتيال والتفجير عند (الإخوان) لا تتوقف (5 - 15)
نشر في الرياض يوم 26 - 07 - 2017

"استعدوا يا جنود وليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه ولا يلتفت منكم أحد، امضوا إلى حيث تؤمرون.. اعكفوا على إعداد الدواء فى صيدليتكم، ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم، فإذا الأمة أبت، فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم فى جسمها عضواً خبيثاً فاقطعوه أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه، استعدوا يا جنود، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر وفي عيونهم عمى".
محاولة تفجير محكمة الاستئناف نهاية التماسك التنظيمي عند (الجماعة)
البنا فشل في التحكم في (الجهاز السري) الذي أشرف على تأسيسه وهيكلته
الحكومة المصرية قررت قطع (رأس الأفعى) والثأر لاغتيال النقراشي باشا
القاعدة عند الإخوان في التعامل مع الآخر تنبني على ثلاثة أسس رئيسية
من ضرع هذه الكلمات العنيفة وهذا الخطاب المتطرف للأب عبدالرحمن البنا الساعاتي، تشرب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا عقيدة العنف ومنهج التغيير بالقوة. هذه العقيدة أصّل لها المرشد من خلال رسائله ومذكراته والتي اعتمدها المريدون والأتباع كدستور مقدس يؤطر لعلاقة الجماعة مع باقي التكوينات السياسية من جهة، وكذا في علاقتهم برأس السلطة السياسية في مصر.
لقد رأى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك فرصة ذهبية لتحقيق حلم حياته في تنصيب نفسه خليفة للمسلمين بعد استكمال الشروط الذاتية والموضوعية لنشر الدعوة الإخوانية في جميع الأقطار الإسلامية. يقول حسن البنا في رسائله "إن الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى (الخليفة) وشرطه الإمامة، فيقضي بينهم ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلا إلى خلاف آخر". (رسائل حسن البنا ص 17).
إن العنف عند الإخوان المسلمين كان دائماً من صميم الاستراتيجية التي تحكم علاقتهم مع باقي مكونات المجتمع الذي يحتويهم، فيما اعتبرت المماينة والمهادنة مجرد تكتيك مرحلي ليس إلا. والعنف عند الإخوان يرقى إلى مستوى العقيدة في حين أن الحوار هو فقط مناورة للتمرير والتبرير والتخدير. يقول حسن البنا في رسائله محاولاً تشبيه مريديه بذلك الجيل المشرق الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام "ثم أمرهم (الله) بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة وتعميمها بين الناس بالحجة والبرهان، فإن أبوا إلا العسف والجور والتمرد فبالسيف والسنان:
والناس إذ ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
إن السياقات المتسارعة التي تعرفها البيئة الاستراتيجية في المنطقة العربية، والتي أصبح فيها الإخوان المسلمون طرفاً رئيسياً في الصراع، تفرض علينا وضع هذه الجماعة تحت مجهر التحليل والتشريح لمحاولة فهم البنية السيكولوجية للإخوان والتي أفرزت لنا فكراً عنيفاً جعل من (الإخوان) أينما حلوا وارتحلوا من بقعة أو مكان إلا وفاحت منه رائحة الدماء والجثث والأشلاء.
لقد حاولت هذه الحلقات أن تجعل من استشهاداتها وإحالاتها محصورة في المراجع الإخوانية المعتمدة واستبعاد المقاربة الذاتية أو كتابات الأقلام المعروفة بعدائها الأيديولوجي والسياسي للجماعة، مما يجعلنا نطمئن لصدقية هذه الحلقات التي حاولت احترام المعطيات التاريخية والأمانة في السرد والإلقاء والكتابة والإحالة دونما محاولة الالتفاف على الحقائق التاريخية أو تطويع للشهادات وفق ما يخدم طرحاً ما أو توجهاً ما.
يقول سيد قطب: "لنضرب، لنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبور ويهيل التراب". ويقول حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في رسائله "إن آمنتم بفكرتنا واتبعتم خطواتنا فهو خير لكم، وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة فإن كتيبة الله ستسير".
هي إذا رحلة بين تراب المخازن لسبر أغوار هذه الجماعة والوقوف على معظم الاغتيالات السياسية التي تورطت فيها، وفرصة للتعرف على الوجه المظلم لهذا التنظيم الخطير وعلى تاريخه الدموي والذي يحاول بعضهم الدفاع عنه على استحياء وبغير كثير من الحماس.
شكلت (قضية السيارة الجيب) التي أصّلنا لها في الحلقة الماضية، ضربة قاضية للتنظيم الخاص للإخوان، حيث كان من نتائجها المباشرة، كما رأينا، إصدار محمود فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء وفي نفس الوقت وزير الداخلية، للقرار العسكري القاضي بحل جماعة الإخوان "المسلمين" وإغلاق جميع مقراتها والتحفظ على جميع ممتلكاتها وأموالها. كما رأينا أن جماعة الإخوان المسلمين ردّت بقوة على قرار الحل من خلال الإقدام على اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا بتاريخ 28 دجنبر سنة 1948.
آلة الإرهاب مستمرة
لن تتوقف آلة الاغتيال والتفجير عند هذه الجماعة الإرهابية في تناغم مع العقيدة العنيفة لهذا التنظيم والذي اتخذ من القتل والإرهاب أساسا لتواجده وضمانة لاستمراره على الساحة السياسية، رغم ادعاءات السلمية والاعتدال التي يتغنى بها أفراد التنظيم في خرجاتهم الإعلامية ولقاءاتهم العامة.
إن الباحث الذي يمتلك أبسط أبجديات البحث والتنقيب، والذي يستطيع ربط الخطاب بالممارسة، يصل إلى قناعة مفادها أن القاعدة عند الإخوان في التعامل مع الآخر تنبني على ثلاثة أسس رئيسية:
-"الاحتواء": تسعى من خلاله الجماعة لاحتواء عناصر مناوئة أو أحزاب تختلف معها في الرؤية، فتقوم ب"ابتلاعها" عن طريق تطويعها وتوجيهها على المدى المتوسط والبعيد لتصبح ناطقة ومدافعة عن الأطروحة الإخوانية.
-"التحييد": عن طريق إبرام صفقات مع التيارات المعارضة للجماعة قصد "إخماد" أصواتها وضمان الحياد الإيجابي أو السلبي وذلك عن طريق روزنامة من الامتيازات وتدبير المصالح وغيرها من الأساليب التي تجيدها الجماعة.
-"التصفية": في حالة فشل آليات الاحتواء أو التحييد، تنزع الجماعة عباءة الاعتدال والحكمة والوسطية لتلبس لبوس العنف والإرهاب من أجل إخراس الاتجاهات السياسية والفكرية التي تعارض الفكر الإخواني ولو تطلب الأمر التصفية الجسدية للخصوم.
في هذا السياق، وبالعودة إلى نقطة البحث، سيعمل التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين على محاولة تحدي شرعية الدولة من خلال العمل على وضع خطط لتهريب قتلة القاضي الخازندار والنقراشي باشا من جهة، ومن جهة أخرى سيتم التخطيط لتفجير إحدى قاعات محكمة باب الخلق بالقاهرة والتي تحوي جميع الملفات والوثائق والمضبوطات التي تم حجزها في (قضية السيارة الجيب).
وتفرض سياقات الضبط التاريخي والأمانة في السرد والتعاطي مع هذه الاغتيالات، أن نضع بين يدي القارئ الكريم شهادات لقيادات إخوانية عاصرت كل هذه الوقائع والتي كانت تعتبر مناطق ظل في تاريخ الجماعة إلى غاية الإفراج عن مذكراتها والتي كشفت حقيقة هذا التنظيم العنيف ووضعت الأصبع على جميع العمليات التخريبية والاغتيالات السياسية التي قامت بها الجماعة عن طريق جناحها المسلح والمتمثل في التنظيم الخاص المعروف إعلاميا بالجهاز السري للجماعة.
ملخص القضية
يقول أحمد عادل كمال في كتابه "النقط فوق الحروف" في الصفحة 152: "وبقينا بسجن الأجانب حتى 13/01/1949، وفي صباح ذلك اليوم حاول أخونا شفيق أنس وضع حقيبة متفجرات حارقة في حجرة التحقيق التي يحفظ فيها ملف القضية (قضية السيارة الجيب) وأحرازها، وقد سمعنا الانفجار صباحا، وفي مساء نفس اليوم تم نقلنا واحدا واحدا إلى سجن مصر العمومي بحي الخليفة".
وتعود تفاصيل القضية إلى صبيحة يوم 13 من يناير سنة 1949، حين حاول شفيق إبراهيم أنس، أحد أعضاء التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين، إحراق غرفة التحقيق التي تُحفظ فيها أوراق قضية السيارة الجيب وكل أحرازها. ذهب شفيق أنس يحمل حقيبة مليئة بالمتفجرات متظاهرا بأنه من وكلاء النيابة في الأقاليم، وأنه جاء حاملا بعض التحقيقات المهمة لعرضها على النائب العام.
كان وصول شفيق أنس، لحسن الحظ، في وقت مبكر قبل موعد حضور المحققين والقضاة والمتقاضين وسأل عن النائب العام فقيل له إنه لم يحضر بعد، فأخبر أحد موظفي المحكمة أنه سيترك الحقيبة للخروج لتناول إفطاره ويعود، وترك طربوشه مع الحقيبة وانصرف. ولكنه ما كاد يفعل حتى اشتبه سعاة النيابة العامة في أمر الحقيبة، فقد كانت حوادث الانفجارات تقع من حين لآخر، فحملوا الحقيبة إلى خارج المبنى ووضعوها في ميدان "باب الخلق" حيث انفجرت هناك. وانطلقوا في أثر شفيق أنس حتى قبضوا عليه.
نفى شفيق أنس أن يكون قد حضر إلى النيابة أو ترك الحقيبة ولكن الطربوش كان مقاسه واستعان المحققون بكلب بوليس فشم الطربوش ثم تعرف على منفذ العملية. وحكم على الجاني بالأشغال الشاقة المؤبدة، وكان المسؤول عن النظام الخاص في ذلك الوقت المدعو السيد فايز (والذي سيقوم التنظيم الخاص باغتياله أيضا كما سنعرض لذلك في الحلقة المقبلة).
يقول محمود الصباغ في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص": "ومن البديهي أن تتأثر جماهير الإخوان المسلمين الذين لم يعرفوا شيئا عن الوثائق المضبوطة في السيارة الجيب والتي وصفتها وسائل الإعلام أنها حقائق داحضة تدين الإخوان المسلمين بالاتفاق الجنائي على قلب نظام الحكم والقيام بأعمال تخريب وتدمير في مصر لا يعلم مداها إلا علام الغيوب، فيشفقون على دعوتهم التي وهبوها المهج والأرواح... ولا يكون أمام شباب الإخوان الذين يرون مثل هذه النظرة المنطقية لمجريات الأمور في مصر إلا أن يفكروا في استنقاذ دعوتهم من أقصر طريق ممكن، حيث غيبت السجون والمعتقلات قادتهم دفعة واحدة، ومنعت الاتصال بين أيٍّ منهم وبين المرشد العام الذي ظل خارج المعتقل تحت حراسة مشددة من الحكومة لأغراض أدناها أن يفقد الإخوان في المعتقلات مصدر الطاقة الروحية التي تدعم صمودهم وأقصاها أن يفقد العالم الإسلامي إمامه الجليل، الذي يقوده إلى طريق العزة والكرامة المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء وذلك بقصد تيسير قتله جهارًا نهارًا على قارعة الطريق". ويضيف الصباغ: "في ظل هذا الجو المشحون بالتوتر المصطنع من جانب الحكومة، يكون من البديهي أن يفكر بعض شباب الإخوان المسلمين في حرق أوراق هذه القضية التي اتخذت محورًا لكل هذه الدعاية المسمومة، حتى تفقد الحكومة حجتها فيما تنسبه بإصرار ضد جماعة الإخوان المسلمين". وبعد هذا الاعتراف بهذه الجريمة الإرهابية والتي كادت أن تودي بحياة العشرات من المواطنين والموظفين داخل المحكمة، سيحاول محمود الصباغ تبرير هذا الفعل الإجرامي بالقول: "ولو أن الحكومة لم تقطع بين الإخوان وبين مرشدهم ما وقعت مثل هذه الواقعة ولأرشدهم فضيلته إلى أن كل الوثائق المضبوطة في السيارة الجيب هي لصالحهم وليست حجة عليهم، على النحو الذي سجله القضاء في حكمه، ولكن بعد فوات الأوان، ولمرت الأزمة بسلام".
غير أن الوقائع على الأرض تفند مزاعم محمود الصباغ، حيث كان من الممكن أن نصدق مثل هذا التبرير إذا ما كانت هذه العملية هي الأولى من نوعها التي يقوم بها التنظيم الخاص. غير أن هذه العملية سبقتها العديد من عمليات الاغتيال والتي يتناسى محمود الصباغ أن أخطرها كانت عملية اغتيال رئيس الوزراء المصري قبل أسبوعين فقط من عملية التفجير.
ونضع بين يدي القارئ، شهادة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وتتعلق بشهادة صلاح شادي، أحد أهم قيادات الإخوان المسلمين ومن الأوائل الذين التحقوا بركبها، كما أنه كان يشغل مهام رئيس قسم الوحدات في التنظيم الخاص. يقول صلاح شادي في كتابه "حصاد العمر" في الصفحة 72: "في يناير سنة 1949 وبعد مقتل النقراشي بأيام وقع حادث محكمة الاستئناف الذى كان له أسوأ الأثر في نفس حسن البنا، فقد حدث في أعقاب هذا الجو المضطرب من سنة 1948 التي كانت تموج أحداثها لتصيب جماعة الإخوان في الصميم! ويفسر لنا هذا الحادث الذى نفذ في هذا الوقت مدى فقد الشعور بالمسؤولية التي كان السندي ينظر من خلالها إلى الأحداث. ويجدر أن أشير هنا إلى أنه قبل هذا الحادث بأشهر قليلة عرفني المرشد بالأخ السيد فايز باعتباره المسؤول عن النظام الخاص". ويضيف صلاح شادي في الصفحة 73 من نفس الكتاب: "وفي هذا الوقت كان المرشد يحاول الاتصال بإبراهيم عبد الهادي (رئيس الوزراء المصري) لرفع الحظر عن نشاط الجماعة والإفراج عن أموالها المصادرة، وإطلاق سراح الأعضاء المعتقلين، وشكلت لجان وساطة من صالح حرب باشا وزكى على باشا ومصطفى مرعي بك ومحمد الناغي ومصطفى أمين وكتب الإمام حسن البنا نشرة بعنوان "بيان للناس" استهجن فيها حوادث القتل التي وقعت ومن بينها حادث قتل النقراشي... وفي هذا الجو الملبد بالغيوم وقعت حادثة محاولة نسف أوراق التحقيق بمحكمة الاستئناف وضبط الأخ شفيق أنس، فأصدر المرشد بيانا آخر قال فيه إن أي عمل يصدر من أي شخص ينتمي إلى الجماعة يعتبر كأنه موجه إليه شخصيا. وفقد المرشد بعد حادث الاستئناف كل سلطان له على قيادة النظام بعد فشل سيد فايز في ربط خيوط النظام بيده، وأعلن في صراحة أن القيادة بعد أن أصبحت غير قادرة على مزاولة سلطتها، فإن مسئولية حادث المحكمة تقع على عاتق من قاموا بها وليس على عاتق الجماعة".
لقد شكل حادث محاولة تفجير محكمة الاستئناف بباب الخلق بالقاهرة نهاية التماسك التنظيمي عند جماعة الإخوان "المسلمين"، وفشل حسن البنا في التحكم في هذا الجهاز، الذي أشرف على تأسيسه وهيكلته. وهكذا فشل حسن البنا في التحكم في قيادة التنظيم بعد أن عجز سيد فايز في ممارسة اختصاصه الذى كان يأمل حسن البنا أن يحققه، فوجد سيد فايز نفسه عاجزا عن وضع يده على الرجال والأسلحة والذخيرة والعتاد التي كان يملك خيوطها كلها عبد الرحمن السندي.
لقد أعطى حادث المحكمة للحكومة المصرية دليلا آخرا على المنهج العنيف والدموي الذي تبنته الجماعة منذ تأسيسها، ولم يبقى إلا التخلص من "رأس الأفعى" والثأر لاغتيال الزعيم المصري محمود فهمي النقراشي باشا. وهكذا ستقوم الحكومة السعدية بالتدبير للتخلص من المرشد العام للجماعة في ليلة 12 من فبراير من سنة 1949، حيث سيتم اغتيال حسن البنا بنفس الطريقة التي اغتيل بها أحمد ماهر باشا ومحمود فهمي النقراشي باشا بواسطة رصاصات في صدره أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين في وسط القاهرة.
إن للتاريخ أحكامه وللأقدار حكمتها، حيث ستكون نهاية مرشد الجماعة بنفس الطريقة التي دبر بها اغتيال معارضيه ورموز السلطة بمصر، وسيكون المسدس الذي جعله البنا "أداة للقسم" الذي يؤديه أعضاء التنظيم الخاص من خلال طقوس البيعة، هي نفسها الأداة التي ستستعمل في تصفيته وتساهم في هلاكه ومعه نهاية جزء مظلم من تاريخ هذه الجماعة العنيفة.
لن تتوقف آلة القتل والاغتيال عند جماعة الاخوان المسلمين بعد مقتل زعيمها ومرشدها الروحي حسن البنا، بل ستتوجه آلة الاغتيال هذه المرة إلى أحد قيادات الإخوان والعنصر رقم اثنان في التنظيم وهو السيد فايز، حيث سيتم اغتياله بعد ظهر يوم الخميس 20 نونبر سنة 1953. هذه الجريمة ستكون هي موضوع الحلقة المقبلة من حلقات التاريخ الدموي لجماعة الإخوان "المسلمين".
إبراهيم عبدالهادي.. البنا حاول التوسط عنده
البنا حاول رفع الحظر عن نشاط الجماعة والإفراج عن أموالها المصادرة بعد الحادثة
صالح حرب باشا ومصطفى أمين كانا من أعضاء وفد الوساطة
صالح حرب باشا ومصطفى أمين كانا من أعضاء وفد الوساطة
محكمة باب الخلق التي تمت فيها محاولة التفجير
نبات الشر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.