أجّل الناسُ الحديثَ عنه مؤقتًا بوصفه مستشارًا في الديوان الملكي، وآثرُوا الحديثَ عنه فور سماعهم نبأ انتقاله إلى ربه، بوصفه إعلاميًا، بدأ رحلته الطويلة مع الإعلام، وأنهاها معه، وبين البداية والنهاية، هواجس، ومعاناة، وأحلام، وحوائط قصارٌ وطوال، وعصافير، وحُجُل، وجنادِبُ، وخَيْلُه تقفز فوق ممرات مائية، وقد ملأ الفضاء صوتًا مألوفًا، تسمع في دواخله رجُلا، في دماثة خُلُق، بلغات مختلفة. ذلكم هو الصديق الأستاذ سليمان بن محمد العيسى، الذي انتقل إلى جوار ربه، بعد مغرب يوم الجمعة 19 ذي القعدة 1433ه (5 أكتوبر 2012م) ودُفِنَ في مقابر المعلاة بمكة المكرمة يوم السبت 20 ذي القعدة 1433ه (6 أكتوبر 2012م) بعد رحلة أخذ فيها يَعِدُّ الوجوه، في قوة بدنية ومعنوية عالية، بها اكتملت شخصيته الجسدية. طُلِبَ منه ذات مرة، أنْ يوجه خمس رسائل، فآثرَ أن تكون الأولى لوالده وفيها قال: "إلى والدي رحمه الله، كان معلمي وقدوتي، وسأظل مدينًا له ما حييت" وكانت الثانية لوالدته وفيها قال: "إلى والدتي أمد الله في حياتها، نَبْعِ حناني، أستمدُّ منها الدعاء الصالح" وكانت الثالثة لزوجته (د. مها العيسى) وفيها قال: "إلى زوجتي الوفيّة الحبيبة، عايشتني أفراحي وأتراحي، وخلْفَ نجاحي، امرأة صالحة" وكانت الرابعة لبناته وابنه وفيها قال: "إلى بناتي وابني، أرى فيهم نَبْضَ قلبي، وفَيْضَ حبي، هُمْ وُرودُ حياتي، وضَوْءُ عيوني" وكانت الخامسة والأخيرة لجمهوره، مَنْ تابعوا خطْواته وهي في مهدها على مسرح الإعلام وفيها قال: "إلى جمهوري الحبيب، مَدِينٌ لحبهم، وفِيٌّ لمشاعرهم، يتربعون في قلبي محبة وتقديرا، ويسكنون في عيني ضَوْءا بهيا، ينيرون دروبي بِنُصْحٍ أمْثَلٍ، وثِقَةٍ أشْمل". اختلفتُ معه كثيرا، وككل كائن حي لم يستسلم هو للضعف، ولم آخذ أنا في التلاشي، تساوت الكفتان، وخلتا من صراع يؤجج الحزازات في النفوس، التي تحولت إلى وجوه ضاحكة مستبشرة، وعمِلْنَا معًا كما يعملُ قُفَاةُ الأثَر. انتقل سليمان بن محمد العيسى إلى جوار ربِّه، مَدّ يديْهِ للموت، وجسمه قادر على حَمْلِ أثقل الأحمال، كان صامدا صامتا في مرضه. و"لما رأيتُ البابَ قَدْ حِيلَ دُونَهُ تكسّرْتُ باسْمِ اللهِ فِيمَنْ تَكَسّرَا". الإعلام ليس تبذيرًا وإسرافًا وبعثرةَ أموال.. الإعلام سوق مفتوح تشتري منه، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ من الغَثِّ والثمين، والصالح والطالح، ورحم الله سليمان العيسى، فلم يكن إلا مُرَسِّخَا لسلوك راق. [email protected] فاكس: 014543856 [email protected]