رَوَتْ الكاتبةُ السعوديةُ المعروفة (فوزية الجار الله) أنها كانت تشاهد في التلفاز منذُ سنوات، لقاءً مع أحد رجال الأعمال. سأله المذيع: ما الذي قدّمه، أويُفَكِّرُ في تقديمه لشبابِ المجتمع؟ أجابَ مُنْدَهِشاً: لَسْتُ مَعْنِيّا بذلك! وليس هذا من شأني! وحين ألحّ عليه المذيعُ بالسؤال بشكلٍ آخَر، أجابَ بشيء من العصبية: "عَسَى الواحِدْ يربِّي عيالُه، عَلَشَانْ يشوفْ عِيَال الناس".!! ذكّرني هذا الموقف بموقف مماثل، أثناء عملي مذيعًا في الإذاعة السعودية، ففي مقابلة أجريْتُها في برنامج "في الطريق" مع أحدهم سَأَلْتُه: إذا كانت هناك حملة للتبرعات ماذا تُقَدِّم؟ أجاب على الفور: "ولا شي"!، فَصُدِمْتُ، ولم أشأ أنْ أُعَقِّب. ففي فمي ماءٌ، وهَلْ *** ينطقُ مَنْ في فِيهِ ما؟ هذان النموذجان مثالان صارخان على غياب البصيرة والتبصر لا البَصَر، فأعمتهما عن رؤية الحقائق، اختلطتْ عندهم الأوراقُ، واختلّتْ القِيَم، وغدا موقفهم يخالف المنطق السائد عند كثير من الناس في المجتمع السعودي، وهو منطق يرفض هذا الجواب، فمن لا يفكر في الناس فليس منهم، ومن هنا فإن أَيُّ أسرة يحصل فيها الفرد على حقوقه، يستطيع أن يُعْطِيَ، ويبذلَ، والعكس صحيح، وبعض الناس، بينهم وبين الوعي آمادًا بعيدة، ومن ثم فلا تستغرب أن تجد من يقول: "لَسْتُ مَعْنِيّا بذلك،! عَسَى الواحِدْ يربِّي عيالُه، عَلَشَانْ يشوفْ عِيَال الناس"! أو "ولاشيء". القضية قبل ذلك وبعده، قضية تنشئة بيتية، تَخلى فيها بعض الآباء والأمهات عن زَرْعِ مَحَاسِن الأخلاق، في نفوس بعض أبنائهم. لكنّ شيئا يكاد يكون غائبًا إن لم يغب (الأخلاق، الأخلاق، الأخلاق) أعني الأخلاق المحمودة، وهنا لا مناص من الاعتماد على الباحثين لدراسة قضية "أنا ومِنْ بعدي الطوفان" فالاعتماد الكبير على: زخارف الحياة، وقشورها، والانغماس في متاهاتها، لم يعد يُذَكِّر كثيرًا من الأفراد بدورهم الذي يجب أن يكون في المجتمع. لا تلوموا مَنْ آثَرَ نَفْسَه ولم يُؤْثِر معه غيره، فهو نتاج تربية خاطئة، تدور في أكثر مِنْ حَلَقَة مُفْرَغَة. يا أمان الخائفين. [email protected]