(1) منذ أن كنت طالبًا أدرس في قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود (بالرياض) كانت ثمة علاقة (أكيدة) تربطني بالأساتذة هناك، الذين تشرفت بمشاركتهم -بعد ذلك- المنصات (الأدبية) ومساحات الصحف الثقافية، ومنهم (د. عبدالله الغذامي ود. حمزة المزيني ود. معجب الزهراني ود. عبدالله المعيقل..) كما أن ثمة علاقات ثقافية جميلة كنت أنسج خيوطها الزاهية مع نخبة (هائلة) في مدينتي الأولى.. الطائف، ومنهم (د. عثمان الصيني ود. عالي القرشي والأستاذ محمد الشقحاء). كان اسمًا واحدًا يدهشني بافتتان أكثر من بقية تلك الأسماء الجليلة.. وهو د. عثمان الصيني الرئيس الحالي لتحرير المجلة العربية (الشهيرة)! (2) بدأت رحلة د. عثمان في كلية المعلمين (بالطائف) رئيسًا لقسم اللغة العربية فيها لثماني سنوات متواصلة (1988-1996) كان يطرح فيها الأنموذج الخالص للأكاديمية الرفيعة المفعمة بالعلمية والموضوعية والرصانة، ولا شك أنه قبل هذه الفترة وخلالها كان يقدم نفسه كأحد الفاعلين في مشهدنا الثقافي، بل إنه أحد الرواد الحقيقيين لحركة الحداثة (الشهيرة) في الثمانينات الميلادية، والتي ساهمت -بجد- في تحريك المياه الراكدة في ثقافتنا الآسنة آنذاك بفعل أنماط التكرار والابتذال التي نهضت بها الثقافة التقليدية.. كان (أستاذًا) بحق في كل فضاء ثقافي معرفي يستفزه للانطلاق والسمو.. عندما كان سكرتيرًا لنادي الطائف الأدبي (والرجل) الأول فيه، كان النادي وقتها يمر بأجمل مراحله.. حيث شرع نوافذه لاستقبال كل أشعة الجمال والإبداع والأفكار الخالصة.. أذكر أن النادي وقتها كان يطرح هموم قصيدة النثر طازجة للتو مستضيفًا الأسماء الجميلة الشابة التي نهضت بهذا الفن، من غير أن يغفل حاجة المتذوقين للأشكال الأدبية التقليدية.. كان د. عثمان (أشطر) من يمسك عصا الثقافة والفكر من منتصفها تماما، ولذلك كسب ود واحترام الجميع بكافة أطيافهم الثقافية.. (ولذلك فهو كما أزعم دائمًا خير من يتسنم القيادة في أي من مشاهد مؤسساتنا الثقافية المهمة والحاسمة).. ما زلت أذكر ملتقى السرد الذي حشد له بعلاقاته وعزمه أهم الأسماء النقدية، التي قلبت ليالي الطائف الباردة إلى جمر متوهج من الحنين والرغبة في الحراك المعرفي الجميل، وأظن أن نادي الطائف لم يقدم في تاريخه كله أهم من تلك (الفعالية) الثقافية التي قصدت رصد التجربة الروائية المحلية، وهي لا تزال في عقدها الزمني الأول. أما تجربته في جريدة الوطن منذ نشأتها عام2000م نائبًا لرئاسة التحرير ثم رئيسًا مكلفًا، فقد كانت رحلة غنية بالتألق وممارسة العمل الصحفي بشروطه الخالصة واشتراطاته المرهقة المؤرقة المرتبطة بمخرجات الوسائط الإعلامية الزاخرة بالمهنية والوعي الخلاق. أما في الوقت الراهن فإن (المجلة العربية) تشهد معه أجمل مراحلها وإنجازاتها من حيث المادة المعرفية (الراقية) التي تقدمها، أو من حيث الاستحقاقات المادية التي تشهد بها حركة التوزيع والمبيعات والاشتراكات والإصدارات الشهرية). (3) للدكتور عثمان (كاريزما) خاصة لا يشبهه فيها أحد، قامة سامقة وذهنية معرفية سامية وبلاغة ساحرة وقدرة هائلة على التأثير والاستجابة، وذوق رفيع في التعامل والتواصل، روح شابة في عقل (كبير).. وأدوات حديثة في لجة التراث واللهجة والتحقيق. يندر غالبًا أن تجد أحدًا يفتنك وهو يأخذ بزمام الحديث في موضوعات شتى.. كما هو د. عثمان.. يفتنك عندما يتحدث عن المناهج النقدية الأدبية، أو التيارات الفكرية العالمية.. يفتنك وهو يحدد -بإقناع- مكامن الشعرية في قصائد قديمة أو حديثة.. يعرف الثبيتي ودرويش (جيدا) كما يعرف السيالي والجبرتي والوقداني (حق المعرفة).. وتتسع رؤاه النقدية للمتنبي ولآخر شعراء قصيدة النثر والنص الكولاجي الحديث.. معا!.. يفتنك عندما يفصح عن حكايته مع الثقافة المحلية والمثقفين المحليين بكل أطيافهم.. ويفتنك وهو يتذكر المشهد الثقافي (الخاص) لمدينته التي بها نشأ وتعلم وعلم.. الطائف المأنوس.. ويفتنك وهو يسترجع تاريخ الصحافة العربية، أو عندما يحيك دسيسة مقارنة بين الوسائل الإعلامية القديمة والوسائط الإلكترونية الحديثة.. يفتنك كثيرًا كثيرًا هذا الرجل البوليفوني النبيل!! (4) هل الفضاء الآن (أصغر) من قدرة الجناحين على التحليق؟! ماذا لو كان الفضاء (كبيرا)؟ كيف سيشتعل هذا الطائر غناء حد الرعشة والدهشة والسحر المبين؟! (5) وماذا بعد يا د. عثمان.. فإني أكاد أغرق إن حكيت (أكثر)! سأتوقف الآن تاركًا لأطيافك فتنة الحراك ثم السمو.. السمو في فضاءات الله القريبة والبعيدة.. الصغيرة والكبيرة.. على السواء.. على السواء!!