ثمة مقولةٌ شائعةٌ في أوساط بعض المثقفين تؤكد على حيادية المعرفة الإنسانية. بمعنى أن تلك المعرفة لا تتأثر بعالم القيم، ولا بالمنطلقات التي تتعلق برؤية الإنسان لمعنى وغاية وجوده في الحياة، ولعلاقته مع الكون، ومع ما يوجد في هذا الكون من بشرٍ ومخلوقات من جميع الأشكال والأنواع، ولإيمانه أو عدم إيمانه بوجود خالقٍ للكون ابتداءً، وما إلى ذلك من قضايا. تقفزُ تلك المقولة فوق جملة مسائل يجب أن يستمرّ الحوار فيها. وتنطوي، المقولةُ إياها، على درجةٍ عاليةٍ من التبسيط حين يتمُّ تعميمها بشكلٍ سريع ومُطلق، ويجري التأكيد عليها وكأنها من البديهيات التي لا تقبل النقاش. يكفي هنا أن ندرك أن الحديث جدياً عن المعرفة البشرية يتضمن عناصر لا يمكن التفكير بالموضوع عبر إلغائها واختزالها من اللحظة الأولى. فهناك أولاً مصادرُ للمعرفة، وهناك ثانياً وسائلُ وطرق لتحصيل المعرفة، وهناك ثالثاً غايات وأهداف يريد الباحث تحقيقها كنتيجة لوصوله إلى المعرفة. وتفاوتُ البشر بثقافاتهم وتجاربهم وأديانهم بالنسبة لتلك العناصر سيؤثر بالضرورة في عملية البحث عن المعرفة، وبالتالي فيما ستخلقه هذه المعرفة من تأثيرٍ على واقع البشر. أي أننا لا نتحدث عن ترفٍ فكريٍ نظريٍ يُحقق أشواق بعض العقول البشرية (النخبوية) التي تستمتعُ وتُحققُ ذاتها من خلال البحث عن المعرفة وتحصيلها. وإنما نتحدث عن أهمِّ ممارسةٍ إنسانيةٍ لا نقول أنها أثّرت وتُؤثرُ وستؤثر في واقع البشرية، بل نقول أنها صَنعت وتصنعُ وستستمر في صناعة ذلك الواقع. هناك أولاً ملياراتٌ من عديد البشرية تؤمن بالوحي مصدراً من مصادر المعرفة بشكلٍ أو بآخر. ورغم أن التيار السائد Mainstream في عالم الأكاديميا والثقافة، الغربية خصوصاً، يرفضُ بشكلٍ قاطع إمكانية وجود أي علاقة بين المعرفة وكل ماله علاقة بعالم الغيب أو الأديان. إلا أن الإصرار على أن كل هذه المعرفة البشرية المُتراكمة بُنيت على القطيعة مع الوحي لايمكن إلا أن يكون معاندةً واضحةً لأبسط حقائق التاريخ الإنساني. فالجذور المسيحية اليهودية للحضارة الغربية الراهنة باتت مجال العديد من الأبحاث إلى درجة شيوع تعبير (الحضارة اليهودية المسيحية) Judeo-Christian Civilization في أدبيات السياسة والإعلام والثقافة في أمريكا وغيرها. وهذا لا ينفي ما هو معلومٌ عن التأثير الكبير للحضارة الإسلامية في الحضارة الغربية المعاصرة، والمعروف أن الوحي كان المصدر الرئيس للحضارة الإسلامية إضافة إلى العقل والعلم. أما الحضارات الشرقية في الهند والصين وغيرها من بقاع آسيا فقد قامت أصلاً على كثيرٍ من القيم والمبادئ والمنطلقات الروحية التي كان مصدرها يتعلق بالوحي أو الغيب بشكلٍ أو بآخر. أما أساليب ووسائل تحصيل المعرفة فإنها تؤثر دونما أدنى شك في طبيعة المعرفة. لن نطيل الحديث هنا وإنما يكفينا مثالٌ من داخل الأكاديميا الغربية نفسها. فهناك مثلاً المدرسة التي تركز على المقاربة الكمّية Quantitative Approach والأخرى التي تركز على المقاربة النوعية Qualitative Approach كطريقة للوصول إلى المعرفة. وهناك شريحة واسعةٌ من الأكاديميين في أمريكا ترى أن المدرسة الأولى الكمية تحمل في طياتها درجة من الاختزال Reductionism عند دراسة الظواهر الاجتماعية من خلال التركيز المبالغ فيه على إيجاد قيمةٍ (كميةٍ) لكل متغير ولكل ظاهرة، و(حساب) قيمتها وتأثيرها من خلال الأرقام. وهذا وإن كان ممكناً في حقل العلوم الطبيعية والفيزيائية، إلا أنه يظلم الظاهرة الاجتماعية الأكثر تعقيداً لأن مادتها هي البشر وليس الجماد وغيره من عناصر الطبيعة الفيزيائية. لهذا، يرى هؤلاء أن التوجه الكمّي يظلم الظاهرة الاجتماعية عبر فهمها بشكلٍ مختزل أولاً، ثم من حيث طرح وسائل التعامل معها بعد ذلك. في حين أن المدرسة النوعية تُركّز بشكلٍ أكبر على محاولة تحليل الظاهرة وفهمها من جميع جوانبها. أي أن طريقة تحصيل المعرفة تؤثر بشكلٍ كبير في طبيعة المعرفة ذاتها وفيما ينتج عنها في الحياة البشرية. وإذا انتقلنا إلى غايات المعرفة وأهدافها، فمن الواضح مثلاً أن معرفةً تصل بالإنسان إلى التفنّن في بناء وسائل الدمار والقتل والإبادة، ويتمُّ إنفاق مئات المليارات من أجلها، ليست ناتجةً عن رؤيةٍ محايدةٍ للواقع الإنساني، وهي حتماً لم تتشكل بالمصادفة، ودون منطلقات نظرية معينة جعلت الجهد البشري يتوجه في سبيل تحصيل معرفة تؤدي إليها. لا ندّعي هنا، ولا يقول عاقل، أن من المطلوب نفي صفة الحيادية عن كل معرفة بشريةٍ أياً كانت وفي أي مجال من مجالات المعرفة. فهذا تعسفٌ لا ينبغي مجردُ الحوار فيه. لكننا نرى أن معطيات المعرفة وما ينتج عنها في الواقع العالمي المعاصر باتت تُحتّم إعادة فتح الملفات التي تتعلق بما يمكن أن نسميه (تبيئة) المعرفة في الواقع العربي والإسلامي. لأن هذه العملية، حين تحصل بشكلٍ منهجي ومدروس، ستكون أدعى لإنتاج معرفةٍ تستجيب لحاجات ذلك الواقع، وتُجيب على أسئلته الحقيقية، وتُحقق الأهداف والغايات المنسجمة مع ثقافته وهويته وشخصيته المعنوية. ونحن نتحدث عن (إعادة فتح الملفات) لأن البحث في هذه القضية ليس جديداً. فقد تمّ الحديث فيها وعنها بأشكال مختلفة منذ مطلع القرن العشرين الميلادي على الأقل. لكنك تجدُ بالمتابعة أن الجهود في هذا الحقل كانت دائماً على شكلٍ فردي لبعض المفكرين أو الأكاديميين، ولم تصبح جهداً مؤسسياً مقصوداً إلا على يد المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي تأسس في أول الثمانينيات الميلادية، وطرح عنوان (إسلامية المعرفة) مدخلاً للبحث في قضية تبيئة المعرفة. حيث سخّر المعهد جهوده لأكثر من عقدين، واستقطب مئات الطاقات الأكاديمية والبحثية في إقامة مئات الندوات والمؤتمرات والدورات التدريبية وتأليف مئات الكتب في مجالات المعرفة المختلفة، بل وفي تأسيس جامعة ضخمة في ماليزيا تقوم مناهجها على فكرة تقول «بالجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون. والإصلاح المنهجي للفكر الإسلامي وإعطاء الاجتهاد مفهومه الشامل بوصفه يمثل التفاعل المستمر لعقل الإنسان المسلم مع الوحي الإلهي سعياً لتحقيق مقاصده وأحكامه وتوجهاته فكراً وسلوكاً ونظماً ومؤسسات في إطار من الأوضاع الاجتماعية والتاريخية المتغيرة». كانت هذه العملية مبادرةً كبرى ألقت حجراً في الواقع الراكد عربياً وإسلامياً. وكالعادة في مثل هذه الحالات والتجارب، اختلفت ردود الأفعال حولها، وهو ما سنناقشه في مقالٍ قادم. لكن ما يهمنا هنا الإشارةُ إلى ضرورة استمرار العمل المؤسسي المنهجي لتبيئة المعرفة في عالم العرب والمسلمين. لا يُجادل سوى مُكابِر أن المعرفة الغربية السائدة أقحمت نفسها، ومعها العالم بأسره، في خضمّ أزمات اقتصادية وبيئية واجتماعية وسياسية ضخمة ومعقدة. وإذا لم يكن هذا حافزاً للعرب والمسلمين لفتح هذا الملف الآن، فإن الإنسان يتساءل: ماذا يجب أن يحدث أكثر من هذا للتفكير بهذا الموضوع الحساس؟ * كاتب عربي