أسدل الستار على المشهد الأول من المواجهة السياسية الأهم في الكويت منذ عودة الشيخ سعد العبدالله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء من رحلته العلاجية في تشرين الأول اكتوبر الماضي، بانتظار ان يصوت مجلس الأمة هذا الاسبوع على مشروع لطرح الثقة بوزير الاعلام الشيخ ناصر الصباح قدمه عشرة نواب ودعمته الكتلة الاسلامية حوالى 17 نائباً في البرلمان. ويكاد المراقبون يجمعون على ان القضية برمتها تمثل محطة رئيسية في مستقبل العمل السياسي في الكويت، وهي تطرح الاسئلة المهمة الآتية: - هل يكون استجواب وزير الاعلام سبباً في استقالة الحكومة بحيث يدفع الوزراء القريبون من الكتلة الاسلامية ثمن موقف الجماعات الاسلامية من أحد أفراد الأسرة الحاكمة والوزير الأقرب الى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؟ - وأهم من ذلك هل يشكل الاستجواب وتداعياته نهاية للعلاقة الحميمة بين الحكومة والتيار الاسلامي التي بدأت منذ السبعينات وشكلت حجر الزاوية في العمل السياسي في الكويت منذ ذلك الحين؟ - وما هي طبيعة التغيرات التي ستطرأ على مواقف القوى السياسية في المرحلة المقبلة؟ ولا بد من العودة الى موضوع الاستجواب والمراحل التي مر بها والظروف السياسية التي جعلت منه مادة سياسية تتشكل حولها المواقف وتترتب على اساسها الاستحقاقات. فموضوع الاستجواب هو قائمة من الكتب كانت لجنة الرقابة في وزارة الاعلام منعتها من المشاركة في معرض الكتاب العربي، أحد فعاليات مهرجان القرين السنوي الذي تشهده الكويت في شهر تشرين الثاني نوفمبر من كل عام. والذي حدث هو ان بعض كتاب الزوايا في الصحافة المحلية انتقدوا رقابة وزارة الاعلام ومصادرتها حق القراءة في اجواء الانفتاح الديموقراطي الذي تشهده البلاد عندما منعت الرقابة حوالى 167 كتاباً من دخول المعرض، وردت الوزارة بعد أيام بالسماح للكتب الممنوعة بالتداول في معرض الكتاب. فتلقفت مجموعة اسلامية جديدة الحركة السلفية العلمية منشقة عن التيار السلفي الرئيسي الذي تمثله "جمعية احياء التراث"، الكتب التي صرح بها واختارت من بينها مجموعة شعرية لأدونيس وكتاب "نقد الفكر الديني" لنصر حامد بوزيد وروايتين لابراهيم شكري وغيرها، وأعدت بها كتيباً يتضمن مقتطفات من هذه الكتب قالت انها تسيئ الى الذات الالهية وفيها مساس بالدين الاسلامي والصحابة واشاعة الفاحشة وصف اللواط في احدى روايات ابراهيم شكري ووزع الكتيب على اعضاء مجلس الأمة وجرت مناقشات بين الوزير والنواب أدت أولاً الى تحقيق في وزارة الاعلام حول الطريقة التي صُرح بها لهذه الكتب، وتالياً الى تحويل الموضوع الى لجنة الشؤون والتعليم والثقافة والارشاد في المجلس لتحقق في الموضوع. لكن اللجنة التي انقسمت حول الموضوع تأخرت في اعداد تقاريرها، فبادر ثلاثة من اعضاء المجلس يمثلون "الحركة الدستورية الاسلامية" - محمد العليم، وتيار السلف الرئيسي - فهد الخنة، والحركة السلفية العلمية - وليد طبطبائي، بتقديم استجواب لوزير الاعلام يتهمه فيه بتجاوز نظام الدولة الدستوري الذي يقرر بأن "دين الدولة الاسلام" وانتهاكه النظام القانوني الذي يمنع بموجب قانون المطبوعات تداول هذا النوع من الكتب. ويعتقد كثيرون ان موضوع الاستجواب على رغم اهميته، لا يشكل سبباً كافياً للمضي في الاستجواب والمواجهة مع أحد اهم اقطاب الحكومة في المرحلة الحالية. فوزير الاعلام الذي سبق ان شغل منصب سفير الكويت في واشنطن وأدار خلال الاحتلال العراقي معركة اعلامية وديبلوماسية ناجحة هو عضو في وزارة يشارك فيها سبعة وزراء اما ممثلون للكتلة الاسلامية أو قريبون منها ومحسوبون عليها. ويقول مقربون من التيار الاسلامي ان الاخير كان في حاجة الى معركة سياسية يستعيد فيها شعبيته التي تأثرت كثيراً بعد موقفه من استجواب وزير المالية ناصر الروضان الصيف الماضي. بل ان بعضهم يؤكد ان الكتلة الاسلامية كانت تخشى ان تؤدي اجواء الاحتقان التي سادت في الفترة الاخيرة علاقة المجلس بالحكومة الى حل دستوري لمجلس الأمة فيخسر الاسلاميون كثيراً من مواقعهم بسبب تدني شعبيتهم والهجوم المستمر عليهم من التيار الليبرالي الذي قاد استجواب وزير المالية ويسعى الى فضح موقف الاسلاميين الذين منعوا الاستجواب من اسقاط وزير المالية. ومن جهة اخرى يؤكد مراقبون ان ما شجع الكتلة الاسلامية على المضي في استجواب وزير الاعلام امتناع رئيس الحكومة في بداية الأمر عن التعليق على الاستجواب. وجاءت جلسة الاستجواب لتشهد مفاجأة، اذ تحولت الى جلسة استجواب لنيات التيارات الاسلامية من وراء الاستجواب ومناقشة سياسية حامية لعلاقة الحكومة بالتيارات الاسلامية ودعمها وتبنيها هذه التيارات طوال السنوات الماضية. وأدى هجوم المعارضين للاستجواب بقيادة نواب ليبراليين معروفين على التيارات الاسلامية والحكومة معاً، الى دفع ولي العهد ورئيس الحكومة الى الاعلان بأن صبر الحكومة قد نفد وانها "تراقب نشاط بعض الكتل"، الأمر الذي فسره بعض المراقبين بأنه رسالة تحذير الى التيارات الاسلامية. ويجمع المراقبون والمتابعون للشأن السياسي الكويتي على ان استجواب وزير الاعلام سيمثل نقطة تحول اساسية في علاقة الحكومة بالتيارات الاسلامية، وان الرعاية التي حظيت بها هذه التيارات منذ حل مجلس 1976 ومشاركتهم بالحكومة آنذاك هي التي مكنت هذه التيارات من التحرك بحرية في الشارع الكويتي. بالطبع لا يتخيل أحد ان يتم ذلك بين ليلة وضحاها، كما ان احداً لا يتوقع ان تدعم الحكومة خصوم الاسلاميين بشكل واضح ومباشر، وليست هناك مؤشرات بهذا الاتجاه، لكن كثيرين يؤكدون ان الحكومة عمرها قصير ان لم تكن المشاورات في شأن الحكومة الجديدة قد بدأت فعلاً وبعد جلسة الاستجواب مباشرة. وتعتمد صيغة التحالفات والاستقطابات السياسية بين القوى المختلفة على طريقة تعاطي هذه القوى مع تداعيات استجواب وزير الاعلام. فهل تحاول التيارات الاسلامية ترميم علاقاتها مع الحكومة بحيث تخفف من الآثار التي ترتبت على الدخول في مواجهة مكشوفة معها؟ وهل يحاول التيار الليبرالي ان يستفيد سياسياً من الخصام الموقت بين الحلفين الحكومة والتيارات الاسلامية بحيث يتحول الخصام الى طلاق بائن؟ وهل تشهد الساحة الكويتية تبادلاً في المواقع بين التيارات الرئيسية في علاقاتها مع الحكومة؟.