حسب التقديرات التي اعدتها بورصة العقارات التي يشرف عليها "البنك الاهلي"، من المتوقع ان ترتفع قيمة الاستثمارات الجديدة في قطاع العقار والبناء في مصر هذا العام الى حوالي 20 مليار جنيه 6 مليارات دولار اميركي وهو رقم يزيد بنسبة تصل الى 33 في المئة تقريباً، مقارنة مع ما كانت عليه حركة الاستثمار العقاري العام الماضي. ومن الاسباب المباشرة لنمو وتيرة الاستثمار في العقارات، القانون الذي صدر اواسط العام الماضي، ويسمح للاجانب بتملك عقارات في مصر، إذ بات بإمكان غير المصري تملك عقارين في جميع المناطق، شرط ألاّ يكون العقار أثرياً، وألا تتجاوز مساحة العقار الواحد 4 آلاف متر مربع. كما بات بإمكان غير المصري تملك الاراضي الخالية شرط التزام للبناء عليها خلال مهلة لا تزيد على 5 سنوات. وتشير التقديرات التي اعدتها مصلحة الشهر العقاري السجل العقاري الى ارتفاع طلبات الاجانب للتملك في مصر بنسبة قياسية وصلت الى 418 في المئة، وبلغ عددها 2212 طلباً قدمها رعايا 49 دولة، في طليعتهم رعايا السعودية 39 في المئة، ثم الكويتيون 8.22 في المئة. ومن الاسباب التي يعتقد انها ساعدت على جذب المزيد من الاستثمارات الى قطاع العقارات، القرارات التي صدرت أخيراً بمنع البناء على الاراضي المصنفة باعتبارها أراضٍ زراعية، والقانون الجديد للايجارات، ثم التراجع الذي شهدته اسعار الاسهم في البورصة، مما دفع كثيراً من المستثمرين، الى التحول إلى قطاع العقارات. والواقع ان الاستثمارات العقارية تركزت في مجالين: البناء الفاخر، والبناء التجاري. في الوقت الذي تشهد فيه بعض المدن المصرية، خصوصاً القاهرة والاسكندرية، زيادات قياسية في الأسعار كان من الصعب توقعها قبل سنوات. ووفق عاملين في مكاتب السمسرة العقارية بدأت القاهرة تشهد اسعاراً خيالية، إذ يصل سعر بعض الشقق التي تبلغ مساحتها ألف متر مربع على النيل الى حوالي 8 ملايين جنيه مصري 4.2 مليون دولار، كما وصل سعر المتر المربع من الاراضي الفناء في منطقة المهندسين القاهرية الفخمة الى 450.4 ألف دولار، فيما وصلت اسعار الشقق في بعض الابراج السكنية الجديدة الى حوالي مليوني دولار. وتشهد المدن المصرية الكبرى، خصوصاً القاهرة، نمو ظاهرة الابراج السكنية والتجارية التي تصل الاكلاف الاستثمارية لبعضها الى حوالي 500 مليون دولارللبرج الواحد، وعلى رغم ارتفاع اسعارها، فإن هذه الابراج تشهد طلباً كبيراً، سواء من قبل الاثرياء المصريين، أو رجال الاعمال والاثرياء العرب، خصوصاً الخليجيين الذين يركزون على المميزات الاضافية التي توفرها، الى جانب التركيز على الجانب الاقتصادي منها، مقارنة مع ارتفاع الاسعار بصورة مستمرة. ويتركز الاستثمار العقاري في مجالين آخرين: المراكز التجارية التي باتت نقطة جذب رئيسية للشركات الاجنبية الراغبة في العمل في مصر، الى جانب الشركات المصرية نفسها التي باتت تسعى، هي الاخرى، الى العمل انطلاقاً من هذه المراكز التجارية التي صارت علامة غنى بالنسبة إلى الاقتصاد المصري الذي يتلمس طريقه نحو الثروة بعد 4 عقود من الاشتراكية. اما المجال الآخر لتركز النشاط الاستثماري فيتمثل في مشاريع المجمعات السياحية البحرية، من خلال مئات القرى التي يتم انشاؤها حالياً على امتداد الشاطئ المصري على البحر الأبيض المتوسط، وعلى البحر الاحمر. وغالباً ما تروج الشركات المستثمرة في هذا المجال لمنتجاتها في السوقين المحلية والخارجية، من خلال حملات ترويج واسعة، مقرونة بتسهيلات في الدفع، الى حوافز اخرى للاستثمار، في ضوء الطلب المتنامي على السياحة في مصر، وفتح الباب امام الاجانب لقضاء اجازاتهم في هذه القرى السياحية، في مقابل التزامات مالية محدودة نسبياً، مثل السماح ليس بشراء الشقة، بل شراء الفترة التي ينوي قضاءها فيها سنوياً، مما يسمح ببيعها لأكثر من 5 مالكين في الوقت نفسه، لكن في مقابل فترة محددة لكل مالك. واللافت أن اسعار العقار تسجل ارتفاعاً قياسياً في الصيف، وهي الفترة التي تشهد فيها مصر عودة آلاف العاملين من مواطنيها في الخارج، الى جانب استقبال آلاف السياح الاجانب، خصوصاً الخليجيين. وتسعى شركات الوساطة العقارية، وهي شركات سجلت ازدهاراً واسعاً في السنوات الثلاث الاخيرة، الى الافادة من فترة الاقبال السياحي على مصر في الصيف، عن طريق اقامة عشرات المعارض للترويج للمشروعات الجديدة الى جانب سيل الاعلانات التي تعرضها الصحف ومحطات التلفزيون. ومع ذلك فإن زيادة الاستثمار العقاري لم تؤد الى حل ازمة الاسكان في مصر، والاصح انها لم تؤد الى حل ازمة اسكان متوسطي ومحدودي الدخل الذين يواجهون باستمرار مشكلة مستعصية سواء في شراء مساكنهم ام في استئجارها، على رغم التقديرات التي تشير الى ان عدد المساكن الشاغرة المعروضة للبيع وصل الى 8.1 مليون مسكن، وعلى رغم دخول الشركات التابعة للقطاع العام مجال التأجير السكني، بدلاً من التركيز على التمليك، كما كان الوضع في السابق. وطبقاً للتقديرات المتداولة، فإن من الاسباب التي تمنع ذوي الدخل المحدود والمتوسط من شراء مساكن خاصة بهم التفاوت بين الارتفاع المستمر لأسعار الشق، في مقابل استقرار، ان لم يكن هبوط القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود والمتوسط. ومع ان الحكومة اقرت قانوناً جديداً للتأجير، الا ان غالبية تجار البناء ما زالوا يفضلون نظام البيع، بسبب المخاوف من ان يواجهوا مستقبلاً مشاكل تعوق تحرير المساكن التي يكونون قد تورطوا في تأجيرها. وتتحدث تقديرات اخرى عن امكان وصول سوق العقارات الى طريق مسدود إذا استمر التركيز على قطاع البناء الفاخر والتجاري، بسبب محدودية الطلب المتوقع على مثل هذا النوع من البناء، وهو ما يمكن ان يساهم مستقبلاً في أزمة كبيرة يواجهها الاستثمار في هذا القطاع .