بلغ العجز الغذائي للدول العربية خلال الفترة 1990 - 1995 اكثر من 60 مليار دولار، على أساس عجز سنوي قيمته 12 مليار دولار، وذلك نتيجة ضخامة قيمة فاتورة مستوردات الغذاء العربي البالغة نحو 18 مليار دولار سنوياً، في مقابل 5،5 مليار دولار قيمة الصادرات العربية من المواد الغذائية. وتبرز اهمية هذه الفاتورة عندما يتبين انها تشكل نحو 60 في المئة من اجمالي الواردات الغذائية العالمية التي تقدر قيمتها ب 30 مليار دولار. جاءت هذه المعلومات في تقرير وضعه صندوق النقد العربي واشار الى أن دول مجلس التعاون الخليجي التي تسيطر على نحو 45 في المئة من احتياطي النفط العالمي، تعتبر اهم الدول المستوردة للمواد الغذائية في العالم العربي، خصوصاً ان هذه الدول لا تملك سوى مساحات صغيرة من الاراضي الصالحة للزراعة. واذا كانت دول الخليج قادرة على الاستثمار نظراً الى امكاناتها المالية، فان التقرير أوضح أن هذه الدول رفضت الاستثمار في القطاع الزراعي في السودان والعراق ولبنان، بسبب الاوضاع غير المستقرة فيها. واكد التقرير "ان رجال الاعمال العرب بشكل عام، يفضلون الاستثمار في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات بدلاً من القطاع الزراعي - الغذائي". ومن هنا برزت اهمية مناقشة هذا الموضوع في مؤتمر الغرف العربية الذي انعقد أخيراً في القاهرة وحضره حشد كبير من المستثمرين ورجال المال والاعمال العرب. لقد بذلت البلاد العربية خلال السنوات العشر الماضية جهوداً كبيرة لمواجهة تحدي الامن الغذائي، لكن ما ان بدأت تحصد ثمار هذه الجهود، خصوصاً لجهة الاهتمام بالزراعة في مجال التنمية، حتى ظهرت متغيرات دولية تؤثر في ابعاد الامن الغذائي العربي وخلفياته، وأهمها: اولاً، شهدت سوق الحبوب الدولية بشكل مفاجئ تحولاً من الوفرة القياسية بأسعار متدنية، خصوصاً لدى الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة، الى نقص في المخزون لكن بأسعار مرتفعة. ثانياً، اتفاقية الاوروغواي، وقد نصت على قواعد والتزامات في شأن الزراعة تؤكد احتمالات ارتفاع فواتير الاستيراد للبلاد العربية من المنتجات الزراعية والغذائية، لسبب رئيسي هو ارتفاع اسعار بعض المواد الغذائية في الاسواق العالمية نتيجة الخفض المنتظر في مساعدات التصدير للبلدان المصدرة. ثالثاً: تعالت أخيراً صيحات التحذير بأن العقد المقبل سيشهد مواجهة من اجل السيطرة على الثروات المائية، وان هذه المواد مرشحة لان تكون بؤراً للحروب المقبلة. وتتصف البلاد العربية بحساسية شديدة تجاه تقلبات السوق العالمية لأنها تستورد حوالي ربع تجارة العالم من القمح وحوالي 17 في المئة من اجمالي التجارة الدولية من الحبوب. ولا شك في ان التطورات الاخيرة في سوق الحبوب الدولية تبعث على القلق الشديد. فمنذ عام 992 - 1993 اخذ المخزون العالمي للحبوب في الانخفاض الى مستويات لم يشهدها منذ ثلاثة عقود، فيما تصاعدت الاسعار مع مؤشرات تراجع العرض، وهي على الارجح ستبقى في المستقبل المنظور مرتفعة. وتظهر المعلومات الاحصائية المتوافرة ان المخزون العالمي من القمح انخفض بنسبة 28 في المئة، من 144 مليون طن العام 1992/ 1993 الى 103 ملايين طن عام 1995/ 1996، كما انخفض المخزون العالمي من الحبوب الخشنة بنسبة 37 في المئة من 168 مليون طن الى 106 ملايين طن خلال الفترة ذاتها. واكثر ما تظهر وطأة الازمة في مؤشر انخفاض مخزون الحبوب في البلدان الصناعية بنسبة 50 في المئة في الفترة نفسها، وهي المصدر الرئيسي للامدادات، وذلك من 213 مليون طن الى 107 ملايين طن، الامر الذي يشير الى دور هذه البلدان في توجيه متغيرات السوق. المناخ والاستثمارات وقد كان تأثير ذلك على الاسعار ملحوظاً، ففي نهاية كانون الثاني يناير 1996 بلغ سعر تصدير القمح الاميركي 215 دولاراً للطن، وهو اكثر بنسبة 40 في المئة عن العام السابق، ثم وصل في شهر آذار مارس 1996 الى 220 دولاراً، ومن المرجح ان يشهد العام الحالي تحسناً في المخزون الدولي مما يساهم في كبح الاسعار، الاّ أنه من غير المنطقي توقع عودة الاسعار الى سابق عهدها. وتشير التوقعات الى ان السوق الدولية للحبوب ستتأثر مستقبلاً بعاملين رئيسيين، اولهما مدى ملاءمة الظروف المناخية للنشاطات الزراعية، وثانيهما يتعلق بمدى توافر الاستثمارات الكافية واللازمة لزيادة الانتاج، لا سيما في كل من الصين وبلدان اوروبا الشرقية وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق فضلاً عن البلدان العربية. وفي كل حال فإن اتجاهات تصاعد الطلب على الحبوب اخذت طريقها الآن مع عامل جديد يتمثل بمرض "جنون البقر" الذي ضرب قطاع المنتجات الحيوانية في بريطانيا ودفع المستهلكين الى الاستعاضة عن اكل اللحوم بالحبوب والخضار. ويبدو في هذا المجال ان فهم الخلفيات الاقتصادية والسياسية للانتاج والتجارة في المنتجات الزراعية والسلع الغذائية، يساوي في اهميته زيادة العائدات من المياه ومن الاستثمار الزراعي من خلال السياسات والتدابير التشريعية والاقتصادية والتكنولوجية. والامران يتطلبان من الدول العربية توحيد جهودها في استراتيجية واحدة لدرء المخاطر اذا ما ارادت ان تستجمع القدرات من اجل امنها الغذائي واستقلال قرارها السياسي. تحدي المياه لقد دخلت البلاد العربية منذ العام 1970 في مرحلة عجز جدي في المياه، حينما انخفض المخزون الى دون المستوى اللازم وتجاوز الاستهلاك قدرة الموارد المائية على التجدد. ولدى الاخذ في الاعتبار مؤشر الفقر المائي المتعارف عليه دولياً بنحو 1000 متر مكعب للفرد في العام، يتبين ان غالبية البلدان العربية تعاني حالياً او ستعاني قريباً من نقص في المياه اما لدى الاخذ بمؤشر الفقر المائي المعوق للتنمية والمحدد بنحو 500 متر مكعب للفرد في العام، فإن 6 بلدان من اصل 13 بلداً تتوافر عنها احصاءات دخلت العام 1990 في هذا التصنيف، وهي كل من سورية 439 م3، والاردن 224 م3، واليمن 214 م3، والامارات 189 م3، والسعودية 156 م3، وليبيا 154 م3، ومن المتوقع ان ينضم الى هذا التصنيف ايضاً عام 2025 كل من الجزائروعمان وتونس. وتؤكد مصادر البنك الدولي ان خمسة بلدان هي الاردن وليبيا والسعودية والامارات واليمن تستخدم مئة في المئة سنوياً من مصادر المياه المتجددة لديها، فيما تستخدم مصر 90 في المئة سنوياً منها، ويتوقع ان ينخفض نصيب الفرد من المياه لديها بحوالي الثلث في العقد القادم. ولا شك في ان هاجس تأمين الامن الغذائي أثر كثيراً في توزيع استخدامات المياه في البلدان العربية، حيث تفوق نسبة الاستخدام في الزراعة 80 في المئة من جملة الاستخدامات. وتستأثر الزراعة بنسبة 94 في المئة من الامدادات المائية في سلطنة عمان، و93 في المئة في اليمن، و92 في المئة في العراق، و91 في المئة في كل من المغرب والسعودية، و88 في المئة في مصر. واذا كانت البلدان العربية تخشى العطش مرة واحدة، فإنها تخشى الارتهان السياسي مرتين وتكمن المشكلة في ان الانهار الرئيسية تنبع من خارج العالم العربي، فيما تستنزف المياه الجوفية أكثر من قدرتها على التجدد. ومن المعروف ان حوالي 60 في المئة من المياه السطحية تنبع من خارج المنطقة العربية وتصل اليها عن طريق انهار مشتركة. وفي ظل الندرة النسبية والتوقعات حول توجهات دول الجوار، يخشى من الاتجاه الى دفع البلدان العربية الى مرحلة حرجة بالنسبة الى مخزونها المائي، ومن محاذير التبعية المائية التي بدأت تفرض ظلالها على بعض البلدان العربية تلك القيود التي تضعها ليس على الاستراتيجيات الطموحة لها فحسب، بل وفي بعض الاحيان على الحد الادنى المعقول لسياستها المائية. ويتعلق الجانب الآخر من المشكلة بعدم استغلال الانهار الاخرى بالشكل الكافي، واستخدام المياه الجوفية بشكل مكثف وجائر، وضياع قسم كبير من الامطار. ومع ان اجمالي الامطار الهاطلة على المنطقة العربية يصل الى حوالي 2280 مليار م3 سنوياً، فإن حصيلة المياه السطحية منها تبلغ 352 مليار م3 ويفقد الباقي ضياعاً عن طريق البحر او التسرب او التبخر. ويستدل من كل ذلك ان محدودية الموارد المائية ستؤثر الى حد كبير في مشاريع الدول العربية للتوسع الانتاجي الزراعية، خصوصاً في مجال الحبوب. السودان سلة الغذاء ولمواجهة مشكلة المياه التي تعتبر من اكبر التحديات لمستقبل التنمية الاقتصادية في البلاد العربية، دعا الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية المستثمرين ورجال الاعمال العرب فضلاً عن ممثلي الحكومات الذين حضروا مؤتمر الغرف العربية في القاهرة، الى ضرورة تحقيق التعاون العربي عن طريق: اولاً: وضع سياسة مائية عربية مشتركة تهدف الى التعاون في استثمار الموارد المائية بصورة اقتصادية وحماية ديمومتها والمحافظة عليها. ثانياً: احياء المشروع العربي الرامي الى تفعيل الزراعة في السودان لكي تصبح سلة الغذاء العربي واحتياطه المستقبلي. ثالثا: تعزيز القدرة الشرائية العربية بالنسبة الى احتياجاتها من الواردات الغذائية من خلال انشاء مجلس عربي مشترك تشرف عليه المنظمة العربية للتنمية الزراعية ليهتم بتتبع التطورات والمتغيرات الدولية في اسواق السلع الغذائية، ويعمل على توفير الارشاد في تنويع مصادر الاستيراد بأفضل الاسعار الممكنة. رابعاً: تشجيع المنظمة العربية للتنمية الزراعية على انشاء شركة عربية تتولى ادارة مخزون استراتيجي من الحبوب على أساس تجاري ليكون رديفاً معيناً للمخزونات الاحتياطية في الدول العربية، ورديفاً آخر للاحتياط العالمي.