اعاد الجمهور اللندني أخيراً اكتشاف مناخات وليد مصطفى سيتي، من خلال مجموعة لوحات جديدة استضافتها غاليري "ليتون هاوس"، وتسجل تحولاً في المسار الابداعي لهذا الفنان العراقي الذي نقدم في ما يلي بعض العناصر لمقاربة تجربته التشكيلية. غاليري "ليتون هاوس" في العاصمة البريطانية، عرضت أخيراً مجموعة من أعمال وليد مصطفى سيتي هي ثمرة تجربة مميزة تضاف الى سجل النشاطات التشكيلية العراقية التي عرفت طريقها الى صالات العرض العربية والأوروبية في عواصم المنفى خلال السنوات الأخيرة. وربما بات من الملح ادراج أي محاولة نقدية لتناول هذه الاعمال والانجازات، في سياق قراءة شاملة تترصد المصادر الجمالية والمؤثرات الاكاديمية التي تكاد تصنع فرادة هذه الحركة التشكيلية في المنفى. فأغلب ممثلي الجيل الذي ينتمي اليه الفنان الكردي تلقى دروسه العليا في أوروبا، وفيها خاض تجربته الحياتية التي تتنازعها هموم الوطن ودروس الغربة. والقاسم المشترك بين هؤلاء، هو مصدر الوحي الموزع بين الذاكرة الشخصية والمشاهدة الفردية اليومية. من هذه التربة استمد أبناء جيل الغربة العراقية نسغ مادتهم الفنية، على الرغم من تفاوت الاستجابة للعوامل الخارجية ودرجة الحساسية في التفاعل معها، بين فنان وآخر. أما وليد مصطفى سيتي، فنعيد اكتشافه في المعرض الاخير من خلال تجربة تنحرف بعض الشيء عن المنحى الذي عرف به في مراحله السابقة. فأغلب الأعمال أنجز خلال فترة السنة والنصف الماضية، وجاءت بعد فترة التأمل التي أعقبت عودته من جولة في كردستان. وكأننا بكل لوحة تضع الفنان أمام امتحان جديد مشرع الأبواب لا يمكن معرفة وجهته، أو التكهّن بنتيجته النهائية. بيد أن هذا الجديد يتوسم الاختلاف في المعالجة والتناول، ويتعمّد نبذ الألفة. هناك في الاعمال الاخيرة أيضاً ميل واضح الى الاختزال في الشكل، والاستعانة بالمنظر المتخيل الذي يحتوي عناصر "الموضوع" بغية ايصال مشاعر الفنان والتعبير عن دواخله، ونقل معايشاته من باطن اللوحة الى متنها. درس سيتي في معهد الفنون الجميلة في بغداد، قبل أن يواصل دراسته الفنية العليا في أكاديمية الفنون الجميلة في لوبليانا سلوفينيا. ثم انتقل الى لندن حيث أقام معارض فردية وجماعية عدة، منذ مطلع الثمانينات. ويبدو الفنان من خلال معرضه الأخير، راغباً في اعادة خلط تجاربه السابقة وتذويبها في قالب اللغة المباشرة التي تعتمد العاطفة عناوين اللوحات بدلالاتها الحميمة تساعد على تلمّس هذه النقلة، وجعل العناصر المكونة للوحة تتنفس من خلال فضاءاتها. ذلك أن التشكيل الذي يبدو لنا بسيطاً ومختزلاً و"مقروءاً" على سطح القماشة، هو خلاصة رحلة طويلة شاقة اقتضت المرور بقنوات ومحطات تأملية لا تحصى. ضم معرض ال "ليتون هاوس" 48 عملاً فنياً، كأننا بالفنان العراقي دوّن من خلالها انطباعات ذاتية وردود فعل بصرية تؤرخ لصدمة حميمة، لحدث أو لقاء أو مواجهة. بلغة تشكيلية قائمة على الاقتصاد، يلتقط سيتي ويسجل مشاهدات رحلته الى كردستان. يكفي المشاهد أن يتجول بين "ملاحظات على هامش السيرة الذاتية" 94، "زوجان" 94، "الحزن" 93، "منظر باللون الأحمر" 93، "جبال سوداء" 93، "هجر" 94، "الشفق" 93، "ربيع مظلم" 94، "الغد" 93، "شوق" 94، "المواجهة" 94، "الحدود المسكته" 94، "الوحشة" 93 وغيرها من المحطات والمفردات كي يحيط بجوانب أساسية من السيرة الذاتية التي تحولت ألواناً قانية، وخطوطاً مجرّدة، لتقول بشكل أعمق تجربة الاقتلاع والسفر الدائم. أما على صعيد التقنية، فيلجأ وليد مصطفى سيتي الى تكثيف استعماله لمادة الاكريليك في انجاز عمله الفني، باعتبارها تطاوع رؤيته وترتبط بأسلوبه الحديث. وكذلك بات الفنان يعطي لنفسه حرية أكبر في اختيار الألوان، وتركيب بنية اللوحة، متمادياً في توظيف عنصر اللحظة واعتماد الاعتباطية في تشكيل عمله الفني. لا يهتم سيتي بما ستؤول اليه هذه المحطة الجديدة، ولا يطرح على نفسه أسئلة حاسمة في ما يتعلق بمصير توجّهه الجديد. فكل ما في الامر أنها وقفة مهمة أراد من خلالها اضافة مفردات جديدة الى قاموسه التشكيلي.