الفنان العراقي عزيز كريم الذي يعيش في روما منذ أكثر من ثلاثين سنة اراد صادقاً ومخلصاً ان يدمج الشرق بالغرب ولكن ليس على مستوى التفاعل الثقافي التاريخي او الحضاري، بل على مستوى الذاكرة ومخزونها البريء. هكذا جاءت لوحاته في معرضه الجديد في غاليري "ثقافة الداخل المستمرة في روما" في المركز التاريخي للعاصمة الايطالية، وتحت عنوان "ما بين الشرق والغرب" تحقيقاً للقاء الشرق والغرب عبر حلم رومانسي بعيد من اطروحة كيبلنغ الشهيرة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا". اكثر من ثلاثين لوحة غلبت عليها نزعة التصميم ودراما اللون الحار لتتوازى مع معدلات او مناطق الظل والنور على تلك السطوح الصغيرة التي تدفقت بها ألوان المستشرقين الايطاليين. لتؤكد كل لوحة من تلك اللوحات على انها حكاية مسرحية نابضة، تحاول الخروج من إطار اللوحة لتكسر حاجز التقليدية، وتلتحق مع بقية عناصر اللوحة التي هي قيد التكوين. المدهش هنا ان عزيز لم يطرح عناصره من خلال ابعاد فنية متعارف عليها، مع انه يجيد صناعتها بمهارة حرفية كبيرة، بل انه على ما يبدو دخل لعبة ما يطلق عليها البعض ب"ثقافة المنفى" بغض النظر عما يترتب عن هذا التقسيم القسري من نتائج سلبية في احيان كثيرة. فمع انه من جيل الهجرة العراقية الاولى في بداية السبعينات الذي ضم مجموعة من الفنانين الذين انجزوا دراستهم الاكاديمية في معهد الفنون الجميلة في بغداد، والذي ظل يختمر في رؤوسهم الحلم الايطالي، فهو تأبط الكثير من المشاريع الفنية، وكان من الطبيعي ان يفرض حضوره الفاعل في المشهد التشكيلي العربي. استطاع ان يضيف اعمالاً ابداعية لها علاقة حقيقية بالمنفى. لقد زاوج بين اجواء الداخل مدينة الناصرية في الجنوب العراقي التي ولد فيها ونشأ والخارج الذي اختاره للدراسة والعيش والعمل. عزيز كريم عاش حياة عميقة لا تتصف بهامشية حياة الكثر من موجة المهاجرين الثانية وهم ظلت اعمالهم تدور داخل اوطانهم، بل هو اندمج بأصالة ومعرفة في الوسط الايطالي ولعب دوراً متميزاً وفاعلاً في التظاهرات الثقافية الايطالية، ولم يتوار خلف حجاب الذاكرة الاوروبية التي برمجت للكثر من مثقفينا صورة المستقبل على اقراص مدمجة، ومحت فيهم كل ما يتعلق بالماضي الذي ظل تليداً لعزيز كريم. وهو ما تعكسه تجربته الفنية الاخيرة التي لفتت الجمهور. انهمك هذا الفنان خلال السنوات الاخيرة في دراسة فن الاستشراق الاوروبي، مدركاً ان هذه الحركة استوفت شروط اكتمالها تقريباً اذ لم تفقد مقولة ثقافة الشرق بريقها الى يومنا الحاضر من الكثير من النتاجات الفنية في بلدان اوروبا الغربية. وأعيد تسليط الاضواء على فن الاستشراق بمزاوجة بين الشرق بكل معارفه الفنية ومظاهره الحياتية والبيئية الشرقية، وبين اكتشافاته في الحياة اليومية الايطالية بمعالمها وأزيائها وطقوسها وعاداتها وتقاليدها. وهكذا اقتربت صورة الشرق مختلطة بصورة الغرب.