تملك العاصمة الفرنسية سحرها الخاص الذي يجذب الجالية الفنية المهاجرة منذ ان عششت فيها محترفات شفيق عبود وأحمد الهاجري وأسادور وغيرهم. فاذا بها معقل لأقطاب فن الحفر السوري: مصطفى فتحي، مريود، شموط، يوسف عبدلكي، دلول. كما ركن اليها بعض الفنانين الفلسطينيين من امثال ناصر السومي وسمير سلامة وجمانة الحسيني. ويقسم فنانون بارزون من المغرب اقامتهم بين محترفهم الاصلي، كل في مدينته، ومعارضهم الباريسية. هذا هو شأن ممد القاسمي وفريد بلكاهية ومحمد البناني ومالك الحسين. واستقر في باري ايضاً ابرز فناني الجزائر: أكسوح، بن عنتر، كمون، محجوب الخ ... كذلك فإن محترف الفنان السعودي فيصل سمرة قائم فيها رغم تكاثر معارضه في مدن عديدة أخرى. ليس من قبيل المصادفة اذاً، ان تكون صالات العاصمة الفرنسية شهدت في الاشهر الماضية، اكثر المعارض الاستعادية العربية أهمية : فهنا كرم، خلال العام 1993، كل من اللبناني صليبا الدويهي والسوري مروان والمصري آدم حنين. وفي ربوع المدينة أزهرت المعارض الشخصية لفنانين عرب كبشار العيسى وهنبعل السروجي ودلول وندره وجلل والزيباوي وسومي وسمر الهامس وثريا البقصمي... من باريس الى بيروت والواقع ان أغلب النشاط التشكيلي العربي يتحرك مثل رقاص الساعة متأرجحاً بين هذه المدينة وشتى المدن العربية. وكثرت هذا العام المعارض الآتية من محترفات الداخل الى باريس، كما سجلت حركة عودة لعدد لا بأس به من الفنانين المهاجرين الى صالات بلادهم التي عانت من نزيف ابداعي ملحوظ خلال العقدين الأخيرين، خاصة إبان الحرب اللبنانية. وما ان ارتفع كابوس الحرب، حتى ازدحمت المعارض في بيروت، وعاد الفنانون يتوافدون اليها. فكان ان ظهرت غاليريهات جديدة كصالة "50 x 70" القائمة في شارع الحمراء التي جذبت العديد من فناني المهجر : إيتيل عدنان، ودلول، ومريود والناصري ومي قرم. واستضاف "مسرح بيروت" في بهوه المخصص للمعارض معرض اسادور الذي حقق نجاحاً ملحوظاً، ومعرض علي شمس الذي حمل ألوانه المشرقة من محترفه في الرميلة في ظاهر مدينة صيدا الى صالة "ألوان" في جونيه. والجدير بالذكر ان الصالة نفسها استقبلت بعد فترة وجيزة معرضاً تجريدياً لعبدالله مراد الذي يقيم محترفه في حمص. وينتسب مراد الى "جماعة العشرة" الجديدة التي اقامت معرضاً ملفتاً للنظر في صالة "عشتار" الدمشقية منذ فترة وجيزة، ما لبث ان انتقل الى استوكهولم. وفي بيروت ايضاً، أقيم معرض تجريدي آخر للفنان نزار صابور، وهو ينتمي مثل زملائه المشار اليهم اعلاه، الى الطليعة التشكيلية السورية التي ورثت تقاليد بيروت العريقة. ترجع هذه التقاليد الى ما قبل الستينات، حين لمع فيها اسم فاتح المدرس قبل ان يصبح رمزاً للمحترف السوري وأحد أكبر رواده. ففي تلك الفترة، كان نشاط "غاليري وان" التي يديرها الشاعر يوسف الخال يستقطب جزءاً اساسيا من الحركة، الى جانب صالة "كونتاكت" التي كان يديرها وضاح فارس، وهو الآخر عاد هذا العام الى بيروت. غاليري أتاسي في دمشق ومن ناحية أخرى، استقبلت دمشق أخيراً واحداً من أبهى معارض حسين ماضي في "غاليري أتاسي" الزاهية التي تم افتتاحها خلال العام. وهناك ظاهرة مثيرة للانتباه، هي التزامن بين عودة الحياة الى صالات بيروت وانتعاش باقة من صالات العرض في سورية، بعد ان كانت النشاطات التشكيلية حكراً على المؤسسات الرسمية. وتتمثل هذه الظاهرة في ثلاث تجارب ناجحة، على رأس كل منها ادارة نسائية، أمية الزعيم في حلب، منى اتاسي في حمص، إلهام السيد في دمشق يعود للأخيرة فضل استقدام معرض مزدوج من فيينا للفنان عمر حمدي بعد غياب طويل عن الساحة التشكيلية السورية. ناهيك عن ازدهاب الصالات الأخرى، ك"عشتار" و"أورنينا" و"دمشق" و"إبلا"، إلخ. وفي دمشق افتتحت اخيراً صالة تحمل اسم الفنان الراحل نصير شورى تحت اشراف زوجته، وكان اول نشاط لها هو المعرض الاستعادي البالغ الاهمية لأعمال هذا التشكيلي السوري صاحب التجربة الاستثنائية. لعل هذا الازدهار هو الذي دفع بمنى اتاسي الى افتتاح صالتها الجديدة هذا العام في دمشق، مستهلة برنامجها بعرض اعمال الرواد الثلاثة: مدرس وكيالي وحماد. وشهدت الأشهر الأخيرة عدداً لافتاً من معارض الكبار في هذه الصالات، على رأسها معرض الياس زيات "صالة السيد" الذي استقبل بحفاوة يستحقها. في الوقت نفسه كانت "صالة دمشق" تعرض محفورات عزالدين شموط القادم من باريس، "وصالة ألف" تستضيف آخر اعمال فاتح المدرس العائد من واشنطن. وأقام عبداللطيف الصمودي معرضين في دمشق وحلب، بعد غياب طويل في مدينة الشارقة الامارات، حيث أقام محترفه. وعام 1993 سجل تحول نذير نبعه نهائياً الى التجريد الذي بدأه خلال مرحلته الباريسية، ومما لا شك فيه ان هذا النعطف سيترك بصماته على الحركة التشكيلية السورية. السومي في القدس يقودنا نبعه في رحلتنا التشكيلية هذه، الى محطة جديدة هي عمان، حيث اقام معرضاً تشخيصياً اشتمل على العديد من رسومه الغرافيكية. فالعاصمة الاردنية شهدت في الفترة الاخيرة انتعاشاً نسبياً، تمركز حول محاور ثلاثة: "صالة شومان" العريقة، "صالة بلدنا" و"صالة البلقاء" المستحدثة. استقبلت "البلقاء" لوحات الفريد حتمل الآتية من باريس في معرض شخصي تزامن مع معرضه الباريسي، وهو لم يحضر افتتاح اي منهما، اذ توفي في محترفه الدمشقي بشكل مباغت. وعرض في الصالة نفسها، صخر فرزات المقيم في باريس ايضاً منذ فترة مديدة. من عمان لا مفر من القيام بقفزة سريعة الى القدس. فهي شهدت اول معرض لفلسطيني يعيش في باريس وهو ناصر السومي الذي عاد بدعوة من "المركز الثقافي الفرنسي". كما تلعب عمان دوراً حيوياً على مستوى الفن التشكيلي العراقي الذي خسر هذا العام احدى رائداته: ليلى العطار. فالمجموعة العراقية التي استقرت هنا بعد حرب الخليج، اثرت ايجابياً على الحركة التكشيلية الآخذة في الانتعاش. ففي "صالة البلقاء"، عرض شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وغيرهما. تحول في تجربة العزاوي كما اجتمع شمل جماعة "الرؤية الجديدة" من جديد حول ضياء العزاوي في معرض رباعي عزاوي - ناصري - طالب - مهرالدين، دعت اليه "صالة همزة وصل" في الدار البيضاء. والمعرض المذكور يقف خلف النجاح الذي عاد فحققه ضياء العزاوي من خلال معرضه الشخصين الذي تجول في مدن مغربية عدة. من أصيلة الشمالية المشهورة بموسمها الثقافي ذي البعد العربي والعالمي، الى الدار البيضاء مروراً بطنجة وغيرها، يؤرخ هذا المعرض لتحول حاسم في تجربة العزاوي. اذ نلاحظ انكماش العناصر الغرافيكية خاصة الحرف العربي، وتوحد اللوحة مع اطارها ومع المناخ البصري والروحي. ولا شك ان الجدل الذي اثير على هامش المعرض، يشير الى عمق حضور العزاوي في الحركة التشكيلية العربية. ولعله من الواجب التوقف عند تجربة صالة "همزة وصل" الجديدة التي تشكل ظاهرة انتعاش ديموقراطية في المغرب. اذ أسستها مجموعة من المثقفين المستقلين عالم الجمال، مليم العروسي ...، وافتتحت بمعرض ضم بعض اعمال فنانين بارزين من المغرب أمثال ميلود والقاسمي. وهذا الاخير سيحملنا من جديد الى باريس على بساط الريح الذي يصور لوحاته الفلكية. فأعماله المعروضة أخيراً في "صالة سيروكو" الباريسية تشبه مضارب خيام ترحل دوماً مع الريح والحنين الى محترف الطفولة. وتزامن معرض القاسمي، مع تظاهرة استعادية ضخمة أقامها "معهد العالم العربي" للفنان المغربي حيلالي الغرباوي الذي أعيد الكتشافه هذا العام بعد عقدين على رحيله. والغرباوي الذي اكتشف الجمهور تجربته في "متحف الفن المعاصر" التابعة للمعهد الباريسي، يجمع النقاد ومؤرخو الفن على اعتباره المؤسس الأول للفن المغربي المعاصر. رحيل بول غيراغوسيان وكان "معهد العالم العربي" خص الفنان اللبناني الكبير بول غيراغوسيان بمعرض استعادي ضخم، خلال العام السابق. هذه المحطة في حياة غيراغوسيان ستكون الاخيرة للاسف، اذ اصيب قبل اسابيع بالسكتة القلبية في محترفه البيروتي حيث عاش لحظاته الاخيرة. فكأن معرض هذا الفنان الارمني الاصل الذي يعتبره من أبرز رواد الحركة التشكيلية المعاصرة، هو الوصية التي تركها لجمهوره ومحبيه، والتكريم العالمي الاخير الذي ناله في حياته الصاخبة بالملاحم والهجرات. هكذا عرف الموسم التشكيلي نهاية حزينة، وها نحن نخرج منه بانطباعات كثيرة، وذكرى كاوية.