استقرت في باريس مثلها مثل عواصم التشكيل الكبرى، لندن، روما، مدريد، نيويورك جالية فنية عربية شابة. وتعّرض أغلب هؤلاء الى إغراء تعددية الأساليب والتيارات، وبالتالي عدم القدرة على تمييز الغث من الثمين مما يُعرض يومياً في الصالات الاستهلاكية. لا شك في ان الاحتفاء بهذه العروض قد خضع لوهم الانفتاح والانسلاخ عن لوحة الماضي وذاكرة السلف حتى ولو كان الجحود والإثارة الموقتة ثمناً لذلك. ان الربط المفتعل بين الشباب والحداثة أدى الى ما آلت اليه ترديات الموسيقى المجانية التي عمّت الاسواق اليوم ومثلها الفن التشكيلي. إذا كان ما نعنيه باللوحة الشابة هي المتجددة منها والمتمايزة عما سبقها وتبعها من تجارب، فمن التعسف بمكان نسبة الحداثة لكل مبتدئ في عمر الزهور، خصوصاً ان القسم الأعظم منهم يتعثر في النقل والتكرار، إن لم يكن التزوير في غفلة من النقد المحلي. لنراجع وبطريقة ميدانية هذه العلاقة الشائكة بين سهولة لوحة اليوم، وشباب لوحة الأمس. بعد ذلك يبدو ان ما تعر ضنا له لا يخلو من التعميم، فحالة باريس مع جحافل الهواة العرب الذين تعانقهم لا تخلو من استثناءات شابة لا يستهان بأصالة وعدها المستقبلي، خصوصاً في الصف اللبناني. وتمثل فاديا حداد "التشخيصية المحدثة" التي تجد مكانها الطبيعي بعد تعبيرية المعلمين بول غيراغوسيان وحسين ماضي، وسنعثر على نفس الشرعية في خلافة النحات شوقي شوكيني للمعلمة سلوى روضة شقير، وكذلك الأمر في تجاوز تجريدات جورج ندرة لحدود "التجريد الغنائي" الذي بشر به من سبقه من معلمين كايفيت أشقر وشفيق عبود. لن نعثر على هذا التناسل المنطقي بين أصالة الرواد وحداثة الشباب الا في الحالة اللبنانية - الباريسية لأن التجريد المحلي اللبناني غارق في اجترار كنوز المعلم شفيق عبود، وان عدد الشباب المتعاظم الذي يقلد خطه يجعل من حيويته الشابة في العقد السابع إدانة لكهولة هؤلاء التلاميذ في لبنان على رغم صغر سنهم بالطبع. يحضرني مثال معاصر لشفيق عبود هو المرحوم محمود حماد مؤسس المعاصرة في المحترف السوري ومؤسس كلية الفنون في دمشق، وقد ورد على لسانه في بداية السبعينات رداً على رميه بتهمة التقليدية والجمود قوله: "ان ما أرسمه اكثر شباباً من فن أي شاب". وثبت دفاعه هذا عن نفسه من خلال المعرض السوري للفن المعاصر قبل أسابيع قليلة في قاعة اليونيسكو في بيروت نظمته "صالة أتاسي" بالتعاون مع صالتي "ربيز" و"أجيال"، فقد أجمع النقاد الذين أثار اهتمامهم المعرض، على هذه الحقيقة وهي ان حماد لا يزال اكثر شباباً حتى اليوم من بعض تلامذة تلامذته المقيمين في باريس والذين عرضوا معه على نفس الجدار، والواقع ان المحترف الشاب السوري بعكس اللبناني علينا ان نبحث عن دوره في دمشق وليس في باريس، لأن الأسماء المعروفة المهاجرة لا يمكن اعتبارها من الجيل الشاب الذي يحفر حداثته في وعورة دمشق من مثال نزار صابور وأحمد معلا وباسم دحدوح، أي الذين عبروا برهافة من جيل نذير اسماعيل وشهدا ومعتوق الى ما يقارن بحداثة الثلاثي اللبنانيالباريسي الذي مرّ ذكره. أما الفنانون الشباب في مصر، فهم أشد شيخوخة من جيلي رواد النهضة ورواد الستينات، ما خلا أسماء نادرة مبعثرة ما بين القاهرة عادل السيوي، وباريس سيد درويش، وهما محدثان اكثر مما يمكن ان نسمهما بصفة الشباب. لقد ورث النحات آدم حنين نخبوية المؤسس الكبير مختار ولا يزال مثل حماد وعبود شاباً في عقده السابع، فلم يخلفه بعد من يستحق تنسيق مرحلته الستينية. وهي الحال في المغرب ايضاً، فلم يتمكن عشرات الشباب من تجاوز شباب محمد القاسمي في عقده الخامس. وإذا ما تجاوزنا الفنانة الشابة مريم بودربالا في باريس فلا يوجد في تونس من الشباب من بإمكانه الاستمرار في مسيرة المعلمين رفيق الكامل وقويدر التريكي. ومن يستطيع ان يزعم بشرعية الاستمرار في ميراث جواد سليم العراق وجيل الستينات عزاوي، طالب، ناصري وآخرون عدا بعض الاسماء التي كانت تحمل وعودها مثل عبدالكريم رسن وابتلعت صوتهم الأحداث الأليمة؟ وليس شأن شتات المحترف الفلسطيني بأحسن حالاً، فالخواء يسيطر على شبابه الحداثي، أو بالأحرى الوريث السياحي لأصالات مصطفى الحلاج ومنصور وبركات، وإذا كانت هناك تجارب حداثية لا يمكن تجاوزها على غرار المرحوم عاصم أبي شقرا والباريسية آمال عبدالنور فهي مشاريع ثقافية حداثية لم تتهيأ لها فرص الاكتمال، مثلها مثل الحداثات العربية الأخرى في باريس التي لم يكتمل جنينها بعد. ألا يحمل طابع التلمذة المزمنة شيخوخة مبكرة مهما كان صاحبها غضاً يافعاً؟ أليس بيكاسو أرسخ شباباً من تابعيه ومتعقبي خطاه حتى اليوم؟ وأخيراً ألا يشتمل أكسير الشباب على شيء من خلودية الفن؟ وبناء على ذلك فالشباب في هذا المجال لا يقاس بسنوات العمر وانما بروح الإبداع.