أثار وزير الخارجية البريطاني، ديفيد ميليباند، في جلسة نقاش عقدت أخيراً في معهد تشاثام هاوس في لندن، قضية ثقافية حضارية، لا ينبغي أن نمر عليها مرّ الكرام. فقد قال المسؤول البريطاني :"إن كثيراً من وزراء الخارجية الأوروبيين يشعرون بأن هناك فرصة قد تكون الأخيرة، لوضع إطار لحلّ خلافات العالم بناء على القيم الأوروبية الأميركية". ثم أضاف قائلاً :"إن هناك رغبة أوروبية لتحديد وضع العالم الجديد بناء على القيم الموجودة عبر الأطلسي". وهذا التصريح من وزير الخارجية البريطاني، يعبر ولاشك، عن نمطٍ من الفكر السياسي الأوروبي، ينطلق من الحضارة الغربية دون غيرها، وينبع من القيم الأوروبية فحسب، ويصدر عن عقيدة سياسية تؤمن بأن القيم السامية والمثل العليا هي تلك القيم والمثل الأوروبية الأميركية تحديداً. وما قاله وزير الخارجية البريطاني يتطابق في عمقه وجوهره، مع ما سبق أن قاله المفكر الأميركي صمويل هنتغتون في كتابه الذائع الصيت"صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي"، على الرغم من أنه تراجع فيما بعد عن كثير من أفكاره الواردة في هذا الكتاب. وفي كلتا الحالتين، فإن حصر المرجعية السياسية والثقافية والحضارية في القيم الأوروبية، دون غيرها من القيم التي تؤمن بها الأمم الأخرى التي شاركت في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة، هو موقف يتناقض مع مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، ومع الحق في التنوع الثقافي والتعدد الحضاري، ويتعارض كلياً مع قيم الحرية والمساواة، ومع قيم الحداثة الأوروبية التي تقوم على التفتح في الفكر والانفتاح على الآفاق الإنسانية الواسعة، ومع نبذ الانغلاق والتزمت والانعزال عن تيار الحياة في تدفقه وسريانه، ولا يعكس هذا الموقفُ الأفكارَ الرئيسة hلتي عبر عنها"الكتاب الأبيض حول حوار الثقافات"الذي أصدره مجلس أوروبا بعنوان"لنحي جميعاً متساوين في الكرامة"، والذي قامت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو- بترجمته إلى اللغة العربية ونشر الترجمة في كتاب قدمت نسخته الأولى إلى السيد تيري ديفيس، الأمين العام لمجلس أوروبا في مؤتمر مجلس أوروبا لوزراء الثقافة المنعقد في كانون الأول ديسمبر الماضي في باكو عاصمة جمهورية أذربيجان. وهو المؤتمر الذي شارك فيه وزراء الثقافة في الدول الأوروبية وزراء الثقافة في عدد من الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، في إطار تعاون مشترك بين مجلس أوروبا والإيسيسكو. وقد عقد هذا المؤتمر تحت شعار"حوار الثقافات أساس للسلام وللتنمية المستدامة"، وهو شعار ينطلق من الاعتراف بحوار الثقافات باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية في إشاعة روح التفاهم والتعايش، وبناء الأسس الثابتة للسلام ولتنمية المجتمعات الإنسانية وتقدمها وازدهارها. وعند التدقيق والتأمل في كلام السيد ديفيد ميليباند، نجد أنفسنا أمام حالة أخذت تتبلور في محيط السياسة الأوروبية والأميركية، منذ أن صنف الرئيس الأميركي السابق بوش، العالم إلى معسكرين اثنين على أساس :"معنا"أو"ضدنا". وقد ترتب على سلوك هذا النهج في السياسة التي تنهجها الدول الغربية، اختلال في موازين العدالة الدولية التي اتضح أنها كانت مقصودة لزعزعة الاستقرار في مجتمعات عديدة، منها المجتمعات العربية الإسلامية، وأرادوها أن تكون"فوضى خلاقة"، فإذا السحر ينقلب على الساحر، وينفلت الزمام من أيدي من يديرون لعبة الأمم، وإذا بالسلام العالمي يقف على شفا جرف هار والإنسانية تعيش في قلق وارتباك وعدم ثقة. كل ذلك بسبب عجرفة القوة التي تذهل العقل وتذهب بالقدرة على التفكير الموضوعي السليم. إنَّ حصر القيم في القيم الأوروبية وفي"القيم الأطلسية"، هو تجاوز للقيم الإنسانية الأخرى، بل هو إلغاء لهذه القيم التي هي إرث مشترك بين الأمم. ثم هو إضافة إلى ذلك كله، خروج عن مبادئ حوار الثقافات والحضارات، وعن مضمون اتفاقية اليونسكو حول التنوّع الثقافي. كما أنّ هذا التصريح يتناقض مع ما قاله الرئيس الأميركي أوباما من أن العلاقة بين العالم الإسلامي ينبغي أن تقوم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. والمفهوم الواضح للاحترام المتبادل، هو احترام القيم والخصوصيات الروحية والثقافية والحضارية للأمم. كما أنّ ميثاق الأممالمتحدة لا يقوم على قيم الحضارة الأوروبية فحسب، أو قيم أي حضارة أخرى، فقد استند هذا الميثاق على مبدإ التوافق بين الدول المؤسسة للأمم المتحدة في اجتماع سان فرانسيسكو عام 1945، بحيث جاء الميثاق وثيقة متوازنة جامعة بين القيم الإنسانية المشتركة، ومعبرةً عن إرادة المجتمع الدولي في إقامة نظام عالمي جديد جدير بالإنسانية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية، التي أدار رحاها الغرب، ونشبت معاركها الحاسمة في أراضيه، منهوكة القوى متطلعة إلى السلام والأمن والتفاهم بين الدول والتعايش بين الشعوب. وباستثناء الفصل الخاص بمجلس الأمن الذي يخول لأربع دول أصبحت الصين فيما بعد خامستها العضوية الدائمة في مجلس الأمن، مما جعلها تحتكر السلطة الدولية بقرارات تصدرها، فإنّ الميثاق يُعدّ إطاراً مهماً للعمل الدولي المشترك. إن التنوّع الثقافي حق ثابت من حقوق الشعوب، ومضمونه أن القيم متنوعة بتنوّع الثقافات وتعدّد الحضارات، وإن اختزال القيم في حضارة دون أخرى، ينطوي على رفض هذا التنوع الثقافي الذي تؤكده اتفاقية منظمة الأممالمتحدة للتربية والعلم والثقافة -يونسكو-. وفي ذلك انتهاك للقانون الدولي كما هو واضح. ومن هنا تأتي خطورة التصريح الذي جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني في معهد"تشاثام هاوس"من الوجهتين الحضارية والثقافية بالمفهوم الشامل للثقافة. إن بريطانيا التي علمت أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية، والتي تستوعب ثقافات وحضارات وأدياناً متعددة انصهرت في بوتقة واحدة هي الشعب البريطاني المتجانس المتعايش، ما كان لوزير خارجيتها أن يلغي إلغاءً كاملاً، القيمَ الإنسانية جميعاً، ويُبقي على قيم الحضارة الأوروبية أو على"القيم الأطلسي"أي تلك التي تعود إلى ميثاق حلف الناتو. نرجو أن تكون هذه زلة لسان. وإن كانت غير ذلك، فتلك مصيبة جديدة. * المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو. نشر في العدد: 16744 ت.م: 06-02-2009 ص: 10 ط: الرياض