انطلق الحوار الوطني اللبناني، للمرة الاولى العام 2006، سعيا الى ايجاد صيغة تعايش تستند الى التوازنات البرلمانية والشعبية التي جرى التعبير عنها في الحكومة الاولى لفؤاد السنيورة. ورغم استناد هذه الحكومة الى نتائج انتخابات برلمانية طغى عليها التحالف الرباعي تيار"المستقبل"والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة"امل"و"حزب الله" فإنها سعت الى ادارة البلاد في ضوء الخيارات السياسية التي جمعت اركان قوى 14 آذار. أي ان هذه الادارة لم تلتزم"معايير"التحالف الرباعي، وذهبت في اتجاه مغاير لها، خصوصا في مسألتي التحقيق في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وسلاح"حزب الله". وهذا ما أدى الى انسحاب التحالف الشيعي من الحكومة والدخول في الأزمة التي ما زال البلد يعاني آثارها. لكن في كل محطات النزاع وعمليات الاغتيال المتكررة، وعلى رغم ان قضية السلاح ظلت في خلفية الجدل والخلاف، لم يكن لهذا السلاح تأثير على مجريات الصراع السياسي حتى احداث ايار مايو الماضي، عندما نفذت قوى 8 آذار، وعمودها الفقري"حزب الله"و"امل"، عملية عسكرية في بيروت والجبل، اي في مناطق السنّة والدروز. وجاء اتفاق الدوحة، في بنوده المختلفة وما طبق منها وما زال ينتظر، كمسعى الى"تحييد"السلاح عن النزاع السياسي، في انتظار ان يحسم هذا النزاع عبر الانتخابات المقبلة او حدث اقليمي كبير. وبالأمس، مع الجلسة الاولى للحوار المستأنف، والتي رعاها الرئيس المنتخب استنادا الى اتفاق الدوحة، يطرح التساؤل عن مدى"حياد"هذا السلاح لدى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، وعن مدى تأثر الاطراف التي دعت في السابق الى صيغ من اجل وضعه في اطار الدولة بما حصل على الارض، ومدى تأثرها بتحالفاتها المقبلة، سواء استعدادا للانتخابات المقبلة أم تحسبا من تجدد القتال، بعدما تأكد ان ميزان القوى العسكري مختل اختلالا كبيرا لمصلحة طرف واحد. وفي هذا المعنى، يمكن النظر الى المصالحات التي سبقت الجلسة، في طرابلس بين السنّة والعلويين وفي الشويفات بين الحزب الاشتراكي و"حزب الله". كما يمكن النظر من هذه الزاوية الى استمرار المناوشات المتنقلة بعد عملية اغتيال طاولت قياديا عمل في اطار المصالحات. وفي الوقت الذي كان يفترض ان ينطلق الحوار من مبادئ عامة لإجماع وطني يلتزمه الجميع، بات الحوار هدفا في ذاته من اجل تحسين فرص الاطراف في السلطة او في النزاعات المقبلة. وذلك بعد استخلاص دروس استخدام السلاح في القضايا الداخلية. بكلام آخر، بات السلاح جزءا من المعادلة الداخلية، حتى لو نفى المعنيون به عزمهم على استخدامه. والمسألة لا تطاول انشطارا مذهبيا معينا او منطقة محددة، لا بل ثمة ما يدعو الى الاعتقاد بأنها تتمدد لتطاول كل الاطراف والمناطق بما فيها الانشطار في الوسط المسيحي. وهذا الانزلاق في معنى السلاح لا يتعلق برغبة ما أو مؤامرة ما في مقدار ما يتعلق بالعجز الذي وصلت إليه الدولة الجامعة، وقدرتها على وضع معايير موحدة تطبق على جميع القوى، ليكون موضوع الأمن في يديها وحدها وليس بالتراضي بين القوى الاهلية. فالأمن بالتراضي الذي قد يجلب هدوءا موقتا، تتغير معطياته وتحالفاته فور حصول أي طارئ. اما أمن الدولة فهو وحده الذي يفترض الا يتغير بتغير الظروف، وتظل مظلته وحدها ضمانة أمن المواطن. والخوف من ان تكون الجلسة الاولى من الحوار المستأنف تسير في اتجاه فيما وقائع جديدة على الارض تدفع في اتجاه آخر، فتُفرض الحلول التي يمليها ميزان القوى على الارض، وهو ميزان مرتبط بالطبع بالقدرات العسكرية. ألم ينتقل لبنان من مرحلة الى اخرى، بعد العنف الذي شهده خلال الحرب الاسرائيلية عليه وما تلاها من عنف على الارض؟