ظهرت قراءات عدة، في لبنان، للقرار الدولي الرقم 1644. وذهب بعض في هذه القراءة الى حد انه رأى في القرار"هزيمة"للحكومة اللبنانية، رغم ان القرار تضمن تلبية، باجماع مجلس الامن، لمطالبها الموثقة في رسالتين ومداخلة المندوب اللبناني في الجلسة التي خصصت للاستماع الى تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري. تناول القرار مسألتين: الاولى تتعلق باغتيال الحريري، والاخرى الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي شهدها لبنان منذ حوالي السنة. في المسألة الاولى، حدد القرار الملزم بموجب الفصل السابع نوعية التعامل السوري مع التحقيق، مكررا ما جاء في قراره السابق الرقم 1636، لجهة التعاون غير المشروط والزاميته. وفي هذا المعنى لم يحمل القرار جديدا في حد ذاته. لكنه يفتح المجال امام مجلس الامن، لدى الاستماع الى التقرير المقبل للجنة بعد ثلاثة شهور، وربما قبلها، لتقويم هذا التعاون والاجراءات التي قد يتخذها في شأنه. كما ان الاجماع على هذا البند ينسف نظرية الخلاف بين الدول الكبرى، صاحبة المصالح المتباينة في المنطقة، ويؤكد مرة اخرى الرغبة الدولية، بما في ذلك روسيا والصين والجزائر، على ان تقوم لجنة التحقيق الدولية بكامل عملها كما ترتإيه وصولاً الى تحديد المسؤولية عن اغتيال الحريري وكشف المتورطين فيه وتقديمهم الى المحاكمة. هذه النتيجة ثابتة في بنود القرار وفي التصويت عليه وفي التصريحات التي اعقبته، وبما لا يدع مجالاً لأي شك في الرغبة في ايصال عمل اللجنة، بما هي هيئة دولية، الى الهدف الذي حدده لها مجلس الامن. واذا لم يقرر المجلس، في القرار ذاته، تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتورطين في اغتيال الحريري، فإنه ترك الأمر بين الحكومة اللبنانية المطالبة بمثل هذه المحاكمة وبين الامين العام الذي عليه ان يعود الى المجلس لإضفاء الصفة الدولية على توافقه مع لبنان على صيغة المحكمة. وثمة إجماع على ان الاعداد لهذه وتشكيلها يقتضي وقتاً وموازنة لا يتوافران في الفترة القصيرة بين طلب لبنان والنظر فيه. في المسألة الثانية، سمح القرار للجنة الدولية للتحقيق في اغتيال الحريري تقديم المساعدة للسلطات اللبنانية في تحقيقاتها في الهجمات المرتكبة منذ تشرين الاول اكتوبر 2004، وفتح المجال لتوسيع عمل اللجنة ليشمل هذه الهجمات بالتنسيق بين الامين العام والحكومة اللبنانية. وإذا كان الجانب اللوجيستي لا يتيح توسيع عمل اللجنة فوراً، فإن إجماع مجلس الامن على ايجاد رابط، على مستوى التحقيق بين اغتيال الحريري والاغتيالات الاخرى في لبنان، يعني ان هذه الهجمات مترابطة سياسياً أيضاً. وهنا تكمن الأهمية الكبيرة في القرار، إذ لم تعد الاعتداءات في لبنان مجرد حوادث متفرقة، وإنما هي سلسلة مترابطة من الاعمال ذات الهدف السياسي، وأيضاً ان ثمة من يسعى الى اهداف سياسية عبر اعمال التهديد والقتل. هذه الاستنتاجات هي خلاصة ما يراه مجلس الامن، بإجماع اعضائه ال15، ولا علاقة لها بميزان القوى داخل لبنان او بطبيعة الخلافات الداخلية فيه. وهي استنتاجات ستؤدي الى خطوات لاحقة، بحسب ما تطلبه الحكومة اللبنانية، وبحسب ما تتوصل اليه من تفاهم مع الأمين العام للأمم المتحدة. وهنا تظهر محاولة التفسير الموارب للقرار الدولي الجديد، وجره الى الخلافات اللبنانية الداخلية، خصوصاً داخل الحكومة التي يرى الفريق الشيعي فيها انها تؤكد وجهة نظره في المحكمة الدولية التي اعتبرها سابقة لأوانها ورفضه الربط بين الاغتيالات على المستوى القضائي والسياسي. ومن هنا اعتبر بعض ان القرار وفّر الظروف الملائمة لمعاودة الحوار الداخلي، بعدما أحبط"حماسة"ما بتدويل الوضع اللبناني برمته، وأعاد المتحمسون لهذا التدويل الى الواقع. صحيح ان لبنان يحتاج الآن، وفي كل وقت، الى الحوار الداخلي. وصحيح أيضاً ان ثمة خيطاً رفيعاً جداً بين التوافق وبين حكم الغالبية المنبثقة من انتخابات. لكن السؤال، لمناسبة صدور القرار الجديد لمجلس الامن والسجال الداخلي الذي استتبعه، يتعلق بالظروف التي تحكم الحوار الداخلي وتحكم التوافق معاً. فالدعوة الى إعادة الحوار بين اطراف"التحالف الرباعي"، حركة"أمل"و"حزب الله"وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي لا يمكنها ان تغفل ان هذا التحالف الانتخابي اساساً على قاعدة حماية المقاومة يواجه قضية تطول معنى العمل السياسي في ظل عمليات القتل المترابطة، وكيفية الوقوف في وجه هذه العمليات وتوفير سبل التصدي لها، وان القرارات الدولية هي إحدى هذه الوسائل. اما التوافق، خصوصاً في ظل الاجماع اللبناني والتفهم الدولي لكون المقاومة المرتبطة ب"حزب الله"وسلاحها مسألة داخلية تحل في الاطار الداخلي ومن غير المطروح اعتبارها مسألة ملزمة وفورية، فيعني الاخذ في الاعتبار ضرورة وصف الجرائم المتلاحقة في لبنان بأنها جرائم سياسية، وان كشف فاعليها لا يقل في حساب المصلحة الوطنية عن التصدي للعدوانية الاسرائيلية تجاه لبنان.