كان للتحرك السريع والحازم لرئيس مجلس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ورئيس"تيار المستقبل"النائب سعد الحريري والقيادات السياسية والدينية في مدينة طرابلس وفي مقدمهم سماحة المفتي مالك الشعار، تأثيره الفاعل في القضاء على الفتنة وإنهاء الاشتباكات المسلحة بين الأحياء السنّية في التبانة والأحياء العلوية في بعل محسن، وإتمام المصالحة السياسية بين الطائفتين الاسلاميتين. وتبع هذه المصالحة دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أفرقاء"اتفاق الدوحة"الى طاولة الحوار في القصر الجمهوري في 16 أيلول سبتمبر، حيث استهل جلستها الأولى بقوله:"إن لبنان وطن الرسالة وملتقى الحضارات، وقد ميّزته تعدديته الفذة، وأسبغت عليه خصوصيته، فغدا نموذجاً فريداً، يلعب دوراً فاعلاً في محيطه العربي وفي المجتمع الدولي، كمثال حي لتعايش الثقافات. هكذا كان لبنان وهكذا يجب أن يبقى دائماً، فوطننا يحيا على ثقافة الحوار وعلينا أن نضرب المثل ونعطي القدوة". توافق المجتمعون على مناقشة الاستراتيجية الدفاعية كأولوية، بغية التوصل الى تصوّر مشترك لها، انطلاقاً من قرارات مؤتمر الحوار الوطني وبنود"اتفاق الدوحة". وتأجل الحوار الى 5 تشرين الثاني نوفمبر من أجل اتاحة المجال لاجراء حوارات ثنائية وتشجيع اللقاءات لتكريس المصالحات وتعزيز فرص نجاح الحوار. كانت سبقت المصالحة السنّية ? العلوية في طرابلس، المصالحة الدرزية ? الدرزية في الجبل بين قطبي الطائفة النائب وليد جنبلاط والوزير طلال أرسلان نتيجة توحّد الدروز في الدفاع عن الجبل ابان اجتياح"حزب الله"بعض أطرافه في شهر أيار مايو المنصرم. وترسخت المصالحة إثر اغتيال القيادي في الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يرأسه أرسلان، الشيخ صالح العريضي، عكس ما خطّط له المجرمون بتفجير الجبل واستهداف وحدته بغية استهداف الوحدة الوطنية. وتمت أيضاً المصالحة بين"حزب الله"و"الحزب التقدمي الاشتراكي"وتعقد بين الطرفين لقاءات دورية من أجل تثبيتها وتعزيزها. تشكل زيارة وفد"حزب الله"لقريطم مدخلاً ومسعى ايجابياً في سبيل تهدئة النفوس وهواجس أهل بيروت، وتؤسس الى ازالة كل مسببات التوتر والتشنج في الشارع. ويعتبر عقد اللقاء بين رئيس"تيار المستقبل"النائب سعد الحريري والأمين العام ل"حزب الله"السيد حسن نصرالله بمثابة تتويج للمصالحة بين الطرفين والأكثر تأثيراً في الحياة السياسية اللبنانية. وأدّت الزيارة الى اشاعة أجواء ايجابية لدى مختلف القوى السياسية، ما سينعكس ايجاباً على جلسات الحوار المقبلة. كما أدّت ازالة الصور والشعارات من بيروت الى انفراج سياسي بين"تيار المستقبل"و"حزب الله"الذي أكد أمينه العام الاستعداد"لكل ما من شأنه طمأنة الناس وخصوصاً في مدينتنا العزيزة بيروت وأهلها الكرام". وتقوم"الرابطة المارونية"بجولات مكوكية بين القيادات المارونية المتصارعة بهدف اجراء المصالحة بينها. وتصطدم محاولتها في تحكيم رئيس الجمهورية في هذا الملف بشروط وشروط مضادة. ويتطلب تحقيق المصالحة المسيحية ? المسيحية تفاهم الزعماء المسيحيين ولا سيما الموارنة على القضايا الوطنية الكبيرة. وفي هذه الأجواء الايجابية امتدت يد الغدر والإرهاب، عشية عيد الفطر المبارك، لتضرب مرة أخرى مدينة طرابلس والمؤسسة العسكرية، حيث استهدفت في تفجير اجرامي حافلة للجيش اللبناني أدى الى سقوط شهداء وجرحى عسكريين ومدنيين. والمستهدف الرئيس من هذا التفجير هو الجيش ودوره الوطني في تثبيت الأمن والاستقرار وحماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ما يستدعي تفعيل عمل الأجهزة الأمنية وتعزيز قدرات الجيش بتجهيزه بالأسلحة والمعدات اللازمة حتى يقوم بدوره الأمني بصورة فاعلة. وهدف الجناة أيضاً من التفجير قطع الطريق على اللقاءات والمصالحات والحوار الوطني. وبينما كانت طرابلس والمؤسسة العسكرية تلملم جراحهما وتودع شهداءهما، كرر الرئيس السوري بشار الأسد ما كان أعلنه من قبل ب"أن شمال لبنان بات قاعدة حقيقية للتطرف، تشكل خطراً على سورية ما يدفعنا الى التساؤل عن مغزى الحشود العسكرية السورية على الحدود اللبنانية، وما اذا كانت من أجل القيام بعمليات محدودة داخل الأراضي اللبنانية، ضد مواقع تعتقد دمشق أنها لارهابيين يهددون أمنها واستقرارها؟ أم تحضيراً لعودة قواتها العسكرية الى لبنان بذريعة القضاء على قواعد الارهاب فيه؟ المطلوب من القيادات الوطنية اتمام المصالحات وانجاح طاولة الحوار وتنفيذ ما تم التوافق عليه في الدوحة، حتى لا يبقى لبنان وخصوصاً طرابلس ساحة حرب مفتوحة للقوى الاقليمية والدولية المتصارعة. ونأمل بأن تؤدي المصالحات الى تهدئة الساحة الداخلية بحيث يكون الصراع سياسياً وديموقراطياً والابتعاد به عن المذهبية، وأن تجرى الانتخابات المقبلة في أجواء هادئة وصافية ولا تتحول انتخابات دامية. عسى أن يدرك المتحاورون خطورة الأوضاع الداخلية، فيضعون لدى عودتهم الى طاولة الحوار مصلحة لبنان العليا فوق كل اعتبار، ويتوافقون على استراتيجية دفاعية، تكون جزءاً من رؤية جديدة للبنان، تتولى الدولة الاشراف عليها وتنفيذها، ويكون فيها سلاح"حزب الله"في خدمة الدفاع عن لبنان فقط، وألا يخضعوا في مواقفهم للتأثيرات الخارجية، بحيث تكون طاولة الحوار تقطيعاً للوقت بانتظار نتائج المفاوضات الجارية في المنطقة بين القوى الاقليمية والدولية. * كاتب لبناني