ليس "فيكي كريستينا برشلونة" فيلماً من اخراج بيدرو ألمودوفار ... ومع هذا، لماذا يشعر المرء للوهلة الأولى وربما بعد ذلك أيضاً انه يشاهد فيلماً لصاحب"كل شيء عن أمي؟"وپ"فيكي كريستينا..."ليس مأخوذاً عن رواية منسية لهنري جيمس عصرنها قلم راهن... فلماذا يشعر المرء، للوهلة الأولى أيضاً، أنه يشاهد عملاً مقتبساً عن هنري جيمس؟ بالنسبة الى السؤال الأول، ربما يكون السبب الحضور الطاغي لمدينة برشلونة في فيلم وودي آلن الجديد. وبالنسبة الى السؤال الثاني، نرجح أن وجود الصبيتين الأميركيتين، فيكي وكريستينا في الفيلم، هو السبب. ذلك أن روايات عدة للروائي الأميركي الذي عاش وكتب عند مفترق القرنين التاسع عشر والعشرين، تدور في أوروبا دارسة الفوارق الأخلاقية بين هذه، كعالم قديم، وأميركا كعالم جديد. والحقيقة أن وودي آلن، حين جمع في فيلمه، ومنذ عنوانه، بين مدينة ألمودوفار المفضلة، وفتاتين أميركيتين تزورانها، حدد كل هذه الالتباسات، ولكن في نهاية الأمر من دون أن يبارح بعض عوالمه الخاصة وهواجسه، ولا سيما الجنسية وفي مجال العلاقات بين البشر والتغلغل الى سيكولوجيات شخصياته. ثم ها هو وودي آلن يأتي بعد ذلك ليقول انه شاء، في طريقه، ان يقدم صورة تفيد سياحياً مدينة أحبها، هو الذي ما فتئ طوال مساره السينمائي يرسم صوراً لمدن أحبها، وعلى رأسها طبعاً نيويورك. ومن يشاهد"فيكي كريستينا برشلونة"يدرك بسرعة ان آلن صادق في تأكيده هذا... الى درجة ان مسؤولين في بلدية برشلونة، قالوا انهم يتوقعون في المراحل المقبلة زيادة في عدد السياح القاصدين مدينتهم استجابة للصورة الرائعة التي صورها بها مخرج نيويورك والرهاب وكل أنواع المركبات النفسية، الذي يعرف أحياناً كيف يكون ايجابياً، ليس فقط تجاه المدينة بل تجاه شخصيات يموضعها داخل المدينة. تحرر... وحرية هذه المرة في فيلمه الجديد، الذي يحمل الرقم 40، مثلاً، في سلسلة أفلامه التي اعتاد أن يحقق اضافة جديدة اليها، مرة كل عام، استعاد وودي آلن علاقة سينماه بالمدينة، ولكن من خلال عيون غريبة ترصد هذه المدينة. والحقيقة أن آلن ما كان في وسعه أن يفعل غير هذا... لأنه لا يمكنه أن يخدع نفسه ويفترض أن في امكانه أن ينظر الى مدينة مثل برشلونة من الداخل. وهو نفس ما كان فعله بالنسبة الى لندن، خصوصاً في"ضربة المباراة"حيث الشخصيتان الرئيستان تعيشان لندن، ولكن من خارجها. هذه المرة، أيضاً، في"فيكي كريستينا..."جعل النظرة تأتي عبر شخصيتين أجنبيتين: فيكي، التي تحضر أطروحة حول ذهنية الناس في برشلونة وكاتالونيا التي تنتمي اليها، وكريستينا، الهاوية للفن السينمائي. انهما رفيقتان تقومان الآن برحلة صيفية الى برشلونة آتيتين من نيويوركهما البعيدة، وترغبان في أن تعيشا، ولو لأسابيع فقط، حياة برشلونة وجمالها، علماً أن كريستينا سكارلت جوهانسون ترغب اضافة، الى ذلك، انطلاقاً من تحررها، أن تعيش ما هو أكثر من ذلك: مغامرات عاطفية وجنسية، على العكس من فيكي ريبيكا هال المخطوبة لشاب نيويوركي ناجح، والتي تبدو متحفظة لا تؤمن بالمغامرات العابرة. تصل الصبيتان الى برشلونة اللقطة الأولى في الفيلم لتغادراها في اللقطة الأخيرة. واذا كان من اللافت ان وودي آلن، لا يحدث في سياق الفيلم من التطور السيكولوجي أو الحدثي أو الدرامي ما يشي بأن تبدلاً ما، اساسياً، قد طرأ على شخصيتيه على عكس ما يفعل، مثلاً، جيمس في رواياته، فإنه طوال الفيلم يصور لنا قلبات مسلكية، تحدث لدى الشخصيتين، وربما تحت تأثير سحر المدينة وتحررها لا أكثر، ذلك ان هذه"القلبات"لن تؤدي الى أي مكان في نهاية الأمر. وكأن السينمائي وضع هنا ذهنية شخصيتيه الرئيستين على مشرحة التحليل، لا على ديوان الحكم الأخلاقي. فهو هنا لا يدين أي تصرف ولا يريد ان يعظ. غير ان هذا كله لن يوصل المتفرج الى استنتاج يقول ان وودي آلن أراد أن يكون محايداً وموضوعياً في ما يصف. بل على العكس، وكما اعتاد في سينماه ككل، منذ بداياته، أراد وودي آلن هنا أن يصف وأن يقول ما يخطر في باله من توصيف للطبيعة البشرية في عريها المطلق. ان هذا هو الأساس لديه، هنا، أما الباقي فلا يعدو كونه أحداثاً وعلاقات لا تحمل الى الفيلم أي عمق حقيقي... فالأمور تبدو هنا وكأن وودي آلن، أراد أن ينقل تشيكوف من بيئة شديدة الجدية، تحيط بالحدث المركزي في مسرحية من مسرحياته، الى بيئة ذات مركز جدي، وأطراف أقل جدية. ومن هنا لن يجازف المرء أكثر من اللازم إن هو قال ان الشخصية الأساس التي اشتغل عليها وودي آلن في الفيلم أكثر، هي شخصية فيكي، التي تبدو وكأن الأحداث المحيطة كلها، انما رسمت كي تكشف حقيقتها الداخلية خلف القناع الذي شاءت، بالاختيار أو بحسب العادة أو تبعاً لظروفها الخاصة، أن تختبئ وراءه. ذلك ان فيكي التي تبدي منذ أول الفيلم اعتراضاً على أي تحرر أخلاقي ولا توافق على أية علاقة خارج اطار علاقتها بخطيبه ثم زوجها لاحقاً في الفيلم -، هي الوحيدة التي ستمارس ما يتناقض كلياً مع مواقفها المعلنة. هي، في اختصار ومن دون أن نتوسع في الأمر هنا، لأن كثراً من القراء سيرغبون في مشاهدة الفيلم ولن يروقهم استباقنا لأحداثه، الوحيدة التي تتغير، وإن لم يكن في شكل دائم وحتى النهاية. احتشام من نوع خاص في هذا الإطار، من الواضح ان وودي آلن أطّر الفيلم وأجواءه وأحداثه، في العلاقة مع فيكي، حتى وإن كان حديث الصحافة، من حول الفيلم، سيركز على البطلتين الأخريين فيه: سكارليت جوهانسون، باعتبارها ملهمة وودي آلن الجديدة في ثلاثة من أفلامه الأخيرة على الأقل، وبينيلوبي كروز، باعتبارها النجمة الإسبانية التي كان وودي آلن يفكر فيها وفي العمل معها، حين صاغ مشروعه هذا، منذ الأساس. وكروز ماريا ايلينا في الفيلم لن تظهر في مشاهد هذا الفيلم إلا خلال نصفه الآخر... حيث تلعب دور الزوجة نصف المجنونة للرسام المثقف خافيير بارديم ابن برشلونة، الذي ما إن تلتقيه فيكي وكريستينا، في سهرتهما الأولى في المدينة، حتى يدنو منهما مغازلاً، عارضاً عليهما مرافقته في رحلة الى مدينة قريبة والسهر معاً، ثم ممارسة الحب. منذ البداية تلوح الفكرة مقبولة، بقوة، لكريستينا، فيما ترفضها فيكي في ممانعة قوية ومبررة. لكن الرحلة تتم، لنكتشف خلالها أن لبارديم، أباً شاعراً وفاسقاً لا يكف عن إبداء إعجابه بزوجة ابنه، التي تركت هذا الأخير بعد أن حاولت قتله طعناً بالسكين لأسباب واهية. وخلال تلك الرحلة، يغازل بارديم خوان انطونيو في الفيلم الأميركيتين معاً، فتتبادلان الأدوار، ثم تستقر علاقته مع كريستينا، قبل أن تعود زوجته طالبة استعادة علاقتهما من جديد. لن نسهب، طبعاً، في الحديث، عما يجري بعد ذلك. وان كنا نجد أن لا بد هنا من توضيح التباس اثارته الصحافة الاسبانية أولاً ثم العالمية بعد ذلك، قبل أن يشاهد الفيلم أي كان... اذ ذكرت ان ثمة في الفيلم مشاهد إباحية، منها مشهد شاذ بين سكارليت جوهانسون وبينيلوبي كروز، لكن هذا غير صحيح. فالفيلم، على رغم جرأة موضوعه وقوة ايحاءاته، يبقى بصرياً على الأقل فيلماً أقرب الى الاحتشام، على عادة وودي آلن في سينماه. بل اننا حتى، اذا نظرنا الى الفيلم كحامل رسالة اخلاقية ما، سنجده في استنتاجاته، أقرب الى المحافظة، بالمقارنة، مثلاً، مع سينما بيدرو المودوفار، او حتى بالمقارنة مع أجواء هنري جيمس. غير أن هذا كله ليس الأساس في هذا الفيلم: الأساس هو أن وودي آلن، الذي قدم في"فيكي كريستينا برشلونة"نظرة تكاد تكون انطولوجية الى مشاعر المرأة وتبدلات مشاعرها وعلاقاتها، ما يحيل هنا الى بعض أجمل أفلامه التي سبق أن تناولت مثل هذا الأمر نفسه، من"مانهاتن"الى"ميلندا وميلندا"مروراً خصوصاً بپ"جوانيات"-، قدم في الوقت نفسه ما يمكن اعتباره طلب انتساب الى هذه المدينة الجميلة، التي هي والبلدة القريبة منها التي يدور فيها جزء من الأحداث"اوفيدو"، البطلتان الحقيقيتان للفيلم، ما يشي هنا على الأقل بأن ما اعتبرناه دائماً، تعلقاً من صاحب"آني هال"وپ"مانهاتن"وپ"زيليغ"بمدينته الأم، انما هو في الحقيقة، تعلق بالمدينة ومفهوم المدينة، سواء أكانت نيويورك أم لندن أم برشلونة. ولئن كان خروج آلن من رحابة نيويوركه، الى مدن العالم، أمراً محموداً وتجديدياً، فإن في إمكاننا أن نتساءل في نهاية الأمر: ترى حين يعود وودي آلن لاحقاً، الى نيويورك ليصور فيها فيلماً جديداً له، أي درس سيكون في ذلك الحين قد استخلصه من جولته العاطفية - وربما السياحية أيضاً على مدن أخرى؟ الحب والغيرة ... والجغرافيا عندما عرض وودي آلن فيلمه"ضربة المباراة"عام 2005، فوجئ كثر من المتفرجين ومنهم النقاد وأهل السينما بخاصة وتنفسوا الصعداء قائلين:"ها هو وودي الكبير يعود الى سينماه القوية بعد غيبة طويلة!". والحقيقة ان هؤلاء الذين فوجئوا كان يمكن مفاجأتهم ان تكون منطقية أكثر، لولا ان وودي كان في العام السابق على"ضربة المباراة"قدم واحداً من آخر أفلام العقد الأخير قوة وابتكاراً، وهو فيلم"ميلندا وميلندا". لكن يبدو كأن مفاجأة فيلمه"الأول"الذي حققه في لندن بعيداً من نيويورك؟ حياته وبداياته، كانت قوية الى درجة انها أنست معجبي آلن، أنه سبق ان حقق أفلاماً عدة خارج نيويورك، لعل أجملها"ظلال وضباب"، الفيلم"التعبيري"الذي يدهش كثراً كونه لم ينل حقه من الاهتمام النقدي. مهما يكن كان"ضربة المباراة"إشارة أولى لخروج وودي آلن من شرنقته القديمة لتقديم افلام تدور أحداثها في مدن أخرى، وربما في عوالم أخرى ايضاً. أفلام من ميزاتها ان وودي نفسه لا يمثل فيها. ونعتبر هذا ميزة، ليس لاستخفافنا بقيمة هذا الفنان كممثل، بل لمعرفتنا انه حين يخرج من دون ان يمثل يكون أداؤه الفني أفضل. هكذا كانت الحال مع"ضربة المباراة". وهكذا هي الحال هذه المرة في فيلمه الجديد"فيكي كريستينا برشلونة"الذي عرض خارج المسابقة الرسمية لمهرجان"كان"وتدور أحداثه هذه المرة في برشلونة، المعتبرة واحدة من اجمل مدن إسبانيا وأوروبا. والواقع ان اختيار وودي آلن ليصور فيلماً في إسبانيا، بعد اختيارات لندنية سابقة، يأتي هنا منطقياً، خصوصاً انه هنا وعلى عكس ما حصل في أفلامه الثلاثة السابقة"ضربة المباراة"،"سكوب"وپ"حلم كاسندرا"نقل معه نيويورك الى المدينة الإسبانية من خلال شخصيات أساسية في الفيلم، وفي مقدمها شخصيتا فيكي وكريستينا. إذ هنا، وكما كان من شأن هنري جيمس ان يفعل لو انه عاش حقاً امتلاء عصر السينما ولعبة التبادل البصري بين أميركا وأوروبا، جعل من واحدة من"تيمات"فيلمه الجديد تأملاً في الأخلاق بين"العالم القديم"وپ"العالم الجديد"، ولو من خلال وضع بطلتيه الشابتين في مجابهة مع الأخلاق الأوروبية راصداً كيف كانت النتيجة. كوميديا مختلفة والنتيجة، في النهاية، أتت لمصلحة وودي آلن، حتى وإن كان"فيكي كريستينا برشلونة"لم يعجب المتفرجين بقدر ما أعجبهم"ضربة المباراة"، إذ وجدوا في الجديد عملاً أقرب الى العمل السياحي، ونزعة أخلاقية توفيقية الى حد ما... غير ان هذا إن نظرنا إلى الأمر عن كثب لم ينقص من قيمة هذا الفيلم شيئاً، خصوصاً ان آلن قال انه، اصلاً، حين فكر في هذا الفيلم وبدأ يكتبه كان أول ما وضعه في رأسه مدينة برشلونة نفسها وقد رغب في إبراز جمالها ولا سيما جمال إنجازات المعماري الكبير انطونيو غاودي فيها. وفي اعتقادنا ان آلن حقق هذا الهدف، إنما من دون ان يكون الأمر على حساب فيلمه. إذ هنا يعود صاحب"مانهاتن"وپ"آني هال"مرة أخرى الى موضوعاته التي لطالما شغلت منه البال في الماضي: الحب، الغيرة، العلاقات، قضية الثنائي... وتأثير المكان في عواطف الشخصيات. ولنضف الى هذا ان آلن حرص على ألا يكون"فيكي كريستينا برشلونة"فيلماً كوميدياً في المعنى المتعارف عليه للكلمة. ثمة لحظات مسلية ومضحكة في الفيلم، لكنها عابرة. بل ان جوهر الفيلم درامي، يتطلع الى تشريح الأنفس وعلاقتها بالحدث الذي يطرأ عليها من ناحية، وبما تحمل على كتفيها من تاريخ، من ناحية ثانية، غير ان المخرج حين سئل في"كان"عن علاقة فيلمه بكل هذه المعاني قال انه لا يفهم عن هذا كله شيئاً. فقط، كانت لديه سكارليت جوهانسون وكان يريد ان يصورها في برشلونة. ثم كانت لديه ايضاً صورة ما لبينيلوبي كروز، ويريد ان يصورها. ومن هنا"اتتني فكرة حكاية معقدة بعض الشيء تدور في برشلونة من حول فتاتين اميركيتين... ثم لأنني"لم أرد ان تلعب بينيلوبي دور فتاة اميركية، أدخلت عنصراً جديداً في الفيلم، هو حسناء إسبانية، جعلتها لا تدخل الفيلم إلا بعد منتصفه، بصفتها الزوجة السابقة للرسام الإسباني الذي يريد ان يوقع الفتاتين الأميركيتين في حبائله، وكأن الأمر أكثر من عادي". وپ"هكذا، على حد تعبير آلن، ولد الفيلم وتكوّن"... بالتدريج. وهو يقول اليوم انه لم يعرض السيناريو على الممولين قبل بدء التصوير"كان عليّ ان أحصل على المال لمجرد التحدث عن الفيلم في خطوطه العامة. كنت أشعر بأن ما من أحد يحتاج حقاً الى ان يقرأ السيناريو". وهنا اذ سئل آلن عما اذا كان يوافق أولئك الذين رأوا ان شخصيتي فيكي وكريستينا في الفيلم تعكسان شخصيته هو الخاصة، نظر بدهشة واستنكار الى سائليه وقال:"يا إلهي... إنه لمن الصعب جداً عليّ ان أفهم هذا النوع من الكلام. لقد كانت لدي فقط قصة كتبتها عن برشلونة وعن صبيتين أميركيتين تزوران المدينة لتعيشا فيها خلال فصل الصيف، من دون ان أفكر في أي شيء أكثر من هذا. فكيف تمكنتم بالله عليكم من الافتراض أنني أسقطت نفسي في الفيلم على صبيتين في عمر الورود، ثم جعلت خافيير بارديم يطارحهما الهوى واحدة بعد الأخرى. لماذا لا تفكرون مثلاً بالتشبيه، هنا، بيني وبين بارديم على سبيل المثال؟".