بحيازته وضعاً متقدماً في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، يكون المغرب انخرط في نادي تحديات جديدة، ليس أقلها الرهان على المزيد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي تجعله شريكاً مباشراً في حوار الأنداد وليس مجرد املاء قوائم الشروط. فقد دلّت تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يجتازها النظام الغربي على ان الفرضيات التي سادت فترة طويلة لا تؤدي كلها إلى نتائج غير وخيمة. من حسن حظ المغرب أن رهانه على الوضع المتقدم في علاقاته مع الشريك المحوري جاء في هذا الوقت تحديداً، وليس قبله أو بعده. ففي تجربة سابقة أنه أذعن لمنطق التخصيص وتخلي الدولة عن إدارة قطاعات عدة غير استراتيجية في مرحلة اهتم فيها الأوروبيون بالانفتاح على بلدان أوروبا الشرقية الخارجة من نفق المعسكر السوفياتي. ما أدى إلى تراجع الاهتمام بمنطقة الحوض الجنوبي للبحر المتوسط. وزاد في تضييق الخناق على البلدان النامية أن وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وضعت التقويم المالي والاقتصادي في موقع سابق على الهواجس الاجتماعية. ولم تكن ظواهر مثل تنامي الهجرة غير الشرعية واتساع فجوات الفوارق بين العوالم سوى النتاج الطبيعي لتقويمات ألغت الأبعاد الاجتماعية من طرف المعادلة. الآن تبدو الصورة أقرب إلى تمثل واقع مغاير للطموحات. فالأوروبيون، تحديداً في نظرتهم إلى اشكالات هذه الظواهر، أصبحوا قلقين إلى أن تكون في جوارهم الأقرب بلدان مصدرة للهجرة غير الشرعية والانفلات الأمني والتطرف. في حين أن وجود جاليات متحدرة من اصول غير أوروبية بات يؤرق مضاجعهم ازاء الحفاظ على تركيبة السكان وخصوصيات ثقافة البلدان المضيفة، ما يفرض استبدال النظرة الأمنية بمقاربات انمائية. بمعنى آخر، فإن منح المغرب وضعاً متقدماً ليس نهاية، فقد آلت المفاوضات العسيرة حول الانتقال من شراكة سياسية واقتصادية إلى ما هو أكبر من الاتفاقات التي تحدد مجالات التعاون ضمن فضاء هذه الشراكة نحو وضع آخر أقل من العضوية الكاملة، وبالتالي فإن الاختيار حوّل المغرب إلى مختبر لاستكشاف حظوظ هذا التطور. الأمر لا يتعلق بامتياز سياسي بقدر ما يطاول تجريب وصفة جديدة في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وشركائه في منطقة شمال افريقيا، كون نجاح التجربة في إمكانه أن ينسحب في وقت لاحق على بلدان أخرى، فيما ان اخفاقها قد يحد من التأثير الايجابي لهذا المسار، وأقربه ان التعاون المغربي - الأوروبي في التصدي للهجرة غير الشرعية مثلاً يتطلب تضافر جهود بلدان مغاربية أخرى. في حين ان تثبيت أسس الاستقرار والأمن يحتاج الى فض النزاعات والخلافات الاقليمية القائمة، كونها تستنزف قدرات المنطقة وتهدر طاقاتها في غير ما يجب ان تصرف فيه. للأوروبيين حساباتهم المرحلية في ضبط ايقاع سياسة الجوار الجديد التي حتمها توسيع الاتحاد الأوروبي لناحية الانفتاح على جواره الشرقي. غير ان هذا التمدد برأي خبراء أوروبيين يحتاج دائماً الى المتنفس الجنوبي عند خاصرة البحر المتوسط، لأنها الأقرب الى جغرافية أوروبا وتحفل بالمؤهلات المادية والبشرية التي تسعف الأوروبيين في استراتيجيتهم البعيدة المدى. وبين المضمون السياسي للرسالة الأوروبية نحو اوكرانيا وتركيا واسرائيل وغيرها، ما يفيد بأن الأفضل ان تتم على مقاس المصالح الأوروبية في الدرجة الأولى. إلا ان ذلك لا يلغي ان من مصلحة بلدان الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ان تفيد من النظرة الأوروبية مستقبلاً. فهناك منظومة الاتحاد من أجل المتوسط التي في إمكانها ان تستوعب مشاغل الطرفين. ثم هناك منظور الشراكة السياسية والاقتصادية. وبينهما هناك المنطلق الغائب المتمثل في تقاعس الاتحاد المغاربي الذي لم يستطع ان يصبح نداً شريكاً في الحوار مع الاتحاد الأوروبي. يبدو الآن بفعل هذه التطورات ان من بين معيقات البناء المغاربي انه لم يستند الى الرافد الديموقراطي في بلورة اختيارات شعوب المنطقة في تكريس الجوار والتكامل والشراكة. ويبقى ان نموذج الاصلاحات، التي قادت الرباط لحيازة هذا الوضع، في إمكانه ان ينقل دول المنطقة كافة الى وضع أفضل يؤهلها لما هو أكبر من مجرد تلقي النصائح.