الخبرة ليست إجراءً شكلياً ولا رأياً عابراً، بل وظيفة عدلية ذات أثر مباشر في الحقوق، وركن جوهري في تكوين القناعة القضائية، ومتى اختلّ هذا الركن اختلّ ما يُبنى عليه من أحكام وآثار. وفي بعض القضايا، يُستدعى الخبراء لمعرفة الواقع بالدليل من خلال تقارير هندسية يُفترض أن تكون نتاج بحث وتقصّ ومعاينة دقيقة، بعيداً عن الاجتهادات الشخصية. لكن المشكلة حين تُسند المهمة إلى من لا يلتزم بأصول البحث، ولا يتحرى الدقة في القياس، ولا يستوفي متطلبات المعاينة الفنية السليمة، ما يؤدي إلى الإخلال بمقتضى الأمانة والتفريط في واجب المسؤولية، بما يفضي إلى نتائج تمسّ الحقوق بشكل مباشر. وقد لوحظ في بعض التقارير الفنية والهندسية الصادرة في نزاعات تداخل الصكوك والأراضي، ابتعاد بعضهم عن المنهج العلمي، واعتمادهم على التقدير الشخصي في مواضع القياس، بتطبيق يمتد إلى خارج المكان المحدد مثلاً، وتجاوز الأطوال المسجلة إلى افتراضات لا يسندها واقع ولا دليل. وهو ما يُعد إخلالاً صريحاً بمقتضيات الخبرة، التي مناطها التحقّق لا التخمين، والاستقصاء لا الانطباع، وكأنها وجهة نظر! ويزداد الأمر خطورة حين تُبرّر هذه الممارسات بذريعة اختفاء المعالم أو قيام المباني، أو فتح الطرق لاحقاً، فيُهمل الرجوع إلى القرائن المتاحة، أو الاستعانة بالمصورات الجوية، أو سؤال الشهود والعارفين وأهل الشأن، وهي وسائل معتبرة نظاماً وعرفاً فنياً، ولا يجوز العدول عنها دون مسوغ معتبر. وليس من المقبول قانوناً ولا مستساغ عقلًا، أن تُثبت أطوال متناقضة، أو تُقلب الحقائق المكانية، أو تُعطى قطعة أصغر طولاً بزيادة عن قطعة أكبر مجاورة لها، دون سند قياسي أو تعليل فني منضبط! فمثل هذه النتائج لا يمكن توصيفها على أنها اجتهاد مهني، بل تُعد قرينة على خلل في المنهج وتهاون في الأداء وإخلال بواجب الحياد. والأخطر من ذلك أن التقرير الفني متى رُفع إلى جهة الفصل اكتسب أثراً عدلياً، ولم يعد مجرد رأي استشاري، بل أصبح عنصراً مؤثراً في الحكم، وقد يُبنى عليه نقل ملكية، أو إثبات تداخل أو نزع حق ثابت، وهو ما يحمّل الخبير مسؤولية جسيمة عن كل ما يترتب على تقريره من آثار. ولا شك أن استسهال التكليف، أو الاطمئنان إلى غياب المساءلة لا يخفف من هذه المسؤولية بل يضاعفها، لأن الخطأ في مجال الخبرة ليس خطأً شخصياً، بل تعدٍ على حقوق الغير، وإخلالٌ بثقة العدالة في أدواتها الفنية. وعليه، فإن مقتضى العدالة وصحيح النظام يفرضان التدقيق في أعمال الخبراء ومراجعة تقاريرهم، ومساءلتهم عند ثبوت التقصير أو الخطأ الجسيم؛ إذ إن الحقوق لا تسقط بالتقادم، والمسؤولية المهنية لا تُمحى بمرور الوقت. ولدينا من الشواهد ما يثبت التهاون واللامبالاة من بعض أولئك، الذين أطلق عليهم صفة الخبير. فالخبرة في حقيقتها أمانة محمولة لا صفة ممنوحة، ومن عجز عن أدائها على وجهها الصحيح، فقد تجرّد من مشروعيتها واستوجب المراجعة والمحاسبة؛ صوناً للحقوق وحمايةً لميزان العدالة. وبالله التوفيق.