يتوقف الدكتور محمد عبد الله دراز عند هذا الأسلوب القرآني اللافت في عرض أخبار الأمم السابقة، حيث لا يأتي القصص لمجرد السرد التاريخي، ولا لملء فراغ معرفي، بل يُقدَّم في صيغة الخبر العارف بمواضع العبرة، المنتقي من الأحداث ما يخدم غاية الهداية. وتعبير مثل: «وهل أتاك نبأ...» يحمل في طياته معنى الجزم بوقوع الخبر، مع استدعاء الوعي للتأمل في دلالاته. فالقرآن لا يروي تاريخ الأنبياء على طريقة المؤرخين، ولا يسرد التفاصيل الزمنية والجغرافية، بل يركّز على السنن المتكررة: الصراع بين الحق والباطل، موقف الأقوام من الدعوة، عواقب التكذيب، ومآلات الإيمان. وهذا الانتقاء الدقيق لا يصدر عن اطلاع بشري محدود بمصادر عصره، بل عن علم محيط يرى التاريخ من علٍ. ويؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معروفًا عنه قبل الوحي اشتغال بتاريخ الأمم، ولا كانت البيئة العربية بيئة كتب ومدونات، ومع ذلك جاء القرآن بروايات متسقة، متوافقة في جوهرها مع ما ثبت لاحقًا من حقائق تاريخية، ومخالفة في الوقت نفسه لما شاب تلك الروايات من تحريفات وأساطير. واللافت أن القرآن لا يضع النبي صلى الله عليه وسلم في موضع الراوي المتعلم، بل في موضع المخاطَب بهذه الأخبار، وكأنها تأتيه من مصدر أعلى، يطلعه على ما لم يكن يعلمه، ويقرر له الحق فيه. وهذا الأسلوب يقطع الطريق على دعوى الاقتباس أو التعلم المسبق. كما أن القصص القرآني لا يُقدّم بوصفه ماضيًا منقطعًا، بل بوصفه حاضرًا متجددًا، تتكرر سننه في كل عصر. ولذلك يخاطب الوجدان والعقل معًا، ويجعل من أخبار السابقين مرآة يرى فيها المعاصرون مصيرهم إن سلكوا مسالكهم. ومن هنا فإن طريقة القرآن في عرض أنباء الأنبياء لا تشهد فقط لصدقه التاريخي، بل تكشف عن مصدره العليم، الذي لا يروي ليُمتع، بل ليُهدي ويُقيم الحجة.