في منطقة الحجاز، الغنية بموروثاتها الضاربة في القدم، تتعدد الألوان الشعبية التي لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة والمشهد الاجتماعي، ومن بينها يبرز «الحداء» بوصفه أحد أبرز الفنون التي صاغ الأجداد ملامحها وألحانها، وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى أصبح اليوم علامة بارزة في مناسبات مكةالمكرمة، يطرب الجمهور ويستحضر روح التراث. وعاشت "الرياض الثقافي" أجواء هذا الفن، متتبعة المهارات التي ينبغي أن يتحلى بها شاعر الحداء، وأبرز التراكيب اللغوية والإيقاعية التي يقوم عليها هذا اللون الشهير، وذلك من خلال حديثها مع عدد من الشعراء والمهتمين والمتابعين. الشاعر حمود المطرفي أوضح أن الحداء موروث أصيل تتميز به قبائل الحجاز، ويُعد نوعًا من الشعر المغنّى، يكون في الغالب قصيدة ملحنة على ألحان الحداء المعروفة، يتقدم بها مجموعة من الرجال أثناء قدومهم إلى المضيفين في المناسبات الاجتماعية، وغالبًا ما تدور حول معنى محدد أو مقصد يأتي في صيغة لغز أو موضوع بعينه، فيما يأتي الرد من المستقبلين على اللحن والقافية نفسيهما. وأشار المطرفي إلى أن للحداء أنواعًا في تركيبه اللغوي، منها «المثولث» و«المروبع» و«المثومن»، وذلك بحسب عدد أبيات الحداية، لافتًا إلى أن حداية الأمس كانت تعتمد كثيرًا على الارتجال في ردود أهل المناسبة، بينما يُعد الحداء اليوم في الغالب مسبقًا قبل ساعة دخول المدعوين. وفي الاتجاه ذاته، أكد ماضي العميري أن الحداء من الألوان الشعبية التي تحظى بقبول واسع في منطقة الحجاز التي وصفها بأنها مجمع للفنون الشعبية، مشيرًا إلى أن الحداية تغنت بالوطن في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وفي عيدي الفطر والأضحى. وبيّن أن معاني الحداء قديمًا كانت تُوظف في مناقشة موضوعات تهم القبائل، ومنها الصلح، وكانت تأتي في أبيات تشبه المحاورة، بينما أصبحنا اليوم نسمع حدايات مطولة بعدة أبيات. وأضاف العميري أن للحداء شعراء متخصصين، كما هو الحال في بقية الألوان الشعبية، مؤكدًا أهمية دور الإعلام في توثيق هذا الفن والتعريف به وإبراز المميزين من شعرائه. من جهته، قال عبدالله بن سليم العميري: إن الحداء موروث محبب يخلق أجواء احتفالية جميلة لما يحمله من رسائل ومعانٍ ثرية، ويضفي صورًا من الهيبة، مبينًا أنه يقوم على الرد الجماعي بصيغة حماسية ذات إيقاع ثابت، ويؤدى في التجمعات والمناسبات الاجتماعية والأعياد، حيث يعزز شعور الانتماء والهوية المشتركة، وينقل قيماً أخلاقية محفزة للأجيال. أما مسعد المطرفي، فرأى أن الحداء يمثل إحدى الصور الجمالية لدخول المدعوين جماعة إلى أصحاب المناسبة، بصوت واحد يتغنى بعبارات المحبة والود المتبادل، ومشاركة أهل الدعوة أفراحهم، الأمر الذي يضفي مشاعر إنسانية تعزز اللحمة الاجتماعية وأواصر القرابة والجوار. ماضي العميري مسعد المطرفي حمود المطرفي عبدالله بن سليم العميري