لا تخلو أغلب مباريات كرة القدم من (الأخطاء التحكيمية) التي قد تكون كثيرة في مباراة واحدة وعلى نحو ملفت وبالرغم من ذلك يتم اعتماد نتيجة المباراة بعد نهايتها بدون أي تغيير والسبب في ذلك هو مبدأ (نهائية النتائج) والذي يرتكز على أن قرارات الحكم الصادرة أثناء المباراة نهائية وملزمة ولا يجوز الطعن عليها حتى لو شابها الخطأ أو سوء التقدير. ويهدف هذا المبدأ لتحقيق متطلبات الاستقرار القانوني وضمان انتظام المسابقات الرياضية وإغلاقاً لباب المنازعات الذي قد يؤدي لاضطراب النتائج وتعطيل البطولات، ويجد هذا المبدأ سنده القانوني في تشريعات المجلس الدولي لكرة القدم IFAB الذي اعتبر أن قرارات حكم المباراة نهائية وملزمة وما أشارت اليه لوائح الانضباط الصادرة من الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA من نصوص داعمة لهذا المعنى باعتبار أن نتائج المباريات لا يمكن المساس بها كأصل عام. وبالرغم من اعتبار هذا المبدأ هو الأصل في نتائج المباريات إلا أن لائحة الانضباط الصادرة من الفيفا جاءت ببعض الاستثناءات واعتبرت أن الانسحاب من المباراة أو عدم حضور المباراة يعتبر إخلالاً يتعيّن معه معاقبة الفريق المخالف وفقاً للمادة 16 من اللائحة ومعاقبة الفريق المخالف بغرامة واعتبار الفريق خاسراً أو إعادة المباراة، كما حددت المادة 18 عقوبة إشراك لاعب غير مؤهل قانونياً أو غير مستوفِ لشروط التسجيل بغرامة مالية واعتبار الفريق المخالف خاسراً للمباراة ، أما المادة 20 فقد اعتبرت (التلاعب بالمباريات) بواسطة أي طرف وذلك بالتأثير المباشر أو غير المباشر أو يحاول التأثير أو يتآمر على تغيير سير المباراة أو نتيجتها بفعل مباشر كالرشوة والتلاعب المباشر أو الامتناع عن عمل يعتبر مرتكباً لجريمة رياضية جسيمة يتعين معاقبته بالإيقاف (قد يصل لمدى الحياة) وغرامة 100 ألف فرنك سويسري وتتولى لجنة الانضباط في "الفيفا" التحقيق والمحاكمة والفصل في قضايا التلاعب. من أشهر القضايا التي نظرت في لجنة الانضباط في الفيفا ومحكمة التحكيم الرياضية وصدرت فيها أحكام قضائية هي مباراة كرة القدم التي أقيمت بتاريخ 12 نوفمبر من العام 2016 بين منتخبي جنوب إفريقيا والسنغال ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2018 والذي أقيم في روسيا، حيث انتهت نتيجة المباراة بهدفين لجنوب أفريقيا مقابل هدف لمنتخب السنغال وأدار اللقاء الحكم جوزيف لامبتي من دولة غانا. أثارت قضية ضربة الجزاء غير الصحيحة عدداً كبيراً من الجماهير ووسائل الإعلام بالرغم من عدم تقدّم منتخب السنغال بأي شكوى رسمية إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يتعامل مع عدد من الشركات الخارجية من أبرزها sportradar integrity services و Early Warning System وهي شركات تقدم خدمات إليكترونية لتأكيد نزاهة المنافسات الرياضية وحمايتها من الفساد والتلاعب، وتعتمد برنامج مراقبة لبيانات المراهنات وخدمات تتعلق بالتدقيق الجنائي والامتثال للقوانين، ما حدث في هذه المباراة أن الأنظمة الإلكترونية كشفت نمطا غير طبيعي يحدث مثل المراهنات على عدد الأهداف مما يعطي إشارة أن هناك معرفة مسبقة بعدد الأهداف.! قامت شركة المراقبة بإرسال تقرير إلى الفيفا يتضمن شكوكها حول وجود تأثير على نتيجة المباراة وتحليل للرهانات غير الطبيعية الأمر الذي جعل لجنة الانضباط تفتح تحقيقاً شاملاً في هذه القضية خلصت فيه إلى أن حكم المباراة قد انتهك قوانين ولوائح الانضباط وارتكب جريمة رياضية جسيمة لا تتماشى مع النزاهة باحتسابه لركلة جزاء غير صحيحة (لمسة يد غير موجودة فعلاً) وتورطه في قضايا أخرى مشابهه، اعتبرت اللجنة حكم المباراة قد ارتكب قرارا تحكيميا غير صحيح بشكل خطير وأخل بالنزاهة والعدالة الرياضية مما يستوجب إيقاع عقوبة الإيقاف عن التحكيم مدى الحياة ومن جانب آخر إعادة المباراة بين الفريقين باعتبار أنها لم تجرِ في ظروف عادلة وصدر قرار اللجنة في 6 سبتمبر 2017 متضمناً أيضاً إلغاء نتيجة المباراة. واعتمد القرار من لجنة تنظيم كأس العالم بتاريخ 16 من نفس الشهر والعام وأعيدت المباراة في 10 /11 /2017، وانتهت بفوز السنغال بهدفين مقابل لا شيء لجنوب إفريقيا والتي خرجت من تصفيات كأس العالم 2018 بعد هذه النتيجة. تقدّمت جنوب إفريقيا بطلب إلغاء قرار لجنة الانضباط أمام محكمة التحكيم الرياضية والتي أصدرت حكمها CAS 2017/A/5356، والذي في حقيقة الأمر لم يتضمن حكماً في موضوع القضية بل كان يتضمن عدم اختصاص المحكمة بالنظر ومراجعة القرارات الصادرة من لجنة تنظيم كأس العالم وفقاً للوائح كأس العالم WC Regulations إلا إنه في جوهره أشار أن قرار إعادة المباراة صحيح قانونياً ولم يكن تعسّفياً وهو مبرر بغرض حماية النزاهة الرياضية والعدالة بين المتنافسين. وبالرغم من أن هذا الحكم واجه بعض الانتقادات من القانونيين باعتبار أن محكمة التحكيم الرياضية هي أعلى جهة قضائية رياضية ولا يجوز تقييد سلطاتها وحرمان أحد من حق التقاضي أمامها بتحصين بعض قرارات لجان الفيفا من الطعن بالاستئناف أمامها إلا أن هذه المحكمة تظل تعتمد مبدأ التحكيم الأصيل وهو (الاتفاق الرضائي بين المتخاصمين) وقبول لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم والمشاركة يعني بالتالي قبولاً بالقيود التي تفرضها الفيفا في لوائحها، بالإضافة أن طبيعة النشاط الرياضي مختلفة عن النشاطات الأخرى حيث تعتمد على سرعة ونفاذ ونهائية القرارات لاستقرار المنافسات وحسن سير البطولات وفقاً لمواعيدها المحددة. * محامٍ ومستشار قانوني