أهالي رابغ يستبشرون    أمير تبوك: تحصنوا باللقاحات وتقيدوا ب«الاحترازية»    الحرب على التستر يتواصل إغلاق 3 منشآت تجارية في 24 ساعة    دور سعودي فاعل لإصحاح التغير المناخي    مكة الأولى.. «إحكام» تتلقى 374 ألف طلب تملك    هل يخلف «ديبي الصغير» والده في رئاسة تشاد ؟    ما المقترح الإثيوبي الجديد حول أزمة سد النهضة ؟    مليون دولار مساهمة من السعودية للصندوق الطوعي المعني بسورية    هتان يتوهج.. ويصالح الجماهير    السعودية تواجه البرازيل وألمانيا وساحل العاج في طوكيو    حلم بيريز ينهار    ترتيب الدوري الإيطالي    4 نصائح هامة للتعامل مع حالات الاختناق عند وجود تسرب الغاز    ضبط 3 روجوا مخدرات في «سناب شات»    وحيد حامد فضح «الجماعة» وأتاح اللعب مع الكبار    مظلات وحقائب تعقيم للمعتمرين    كورونا: 1028 إصابة جديدة و1145 حرجة.. و12 وفاة    15 سفيرا معينا يؤدون القسم أمام الملك بحضور ولي العهد    ريال مدريد يثأر من قادش وينقض على صدارة "الليغا"    المبعوث الأميركي: هجوم الحوثي على مأرب يهدد جهود السلام    ضبط 3 جرائم تستر تجاري في 24 ساعة    المركز الوطني لسلامة الطرق.. جهود كبيرة لتقليل وفيات حوادث السير    إيقاف «البسطات الرمضانية» بجدة    تدشين نموذج محطة توقف الحافلات بمكة    5 مراكز ثقافية تجعل «العلا» وجهة عالمية    الحمود: «فنون الرياض» تنظم ملتقاها المسرحي الأول    "التجربة النسائية السعودية في العمل التطوعي".. أمسية بنادي جازان الأدبي    خيارات جديدة لنقل الموظفات السعوديات بدعم مالي 80 %    البيت الأبيض: المسار الدبلوماسي مع إيران أفضل لأمريكا والعالم        محمد بن سلمان مستقبل العالم    جمعية البر بالشقيق توزع 100 جهاز كهربائي على مستفيديها    إغلاق قضية مسجون مطالب ب 5 ملايين ريال في أقل من 24 ساعة    بعد واقعة أسد حي السلي.. «البيئة»: عقوبات صارمة حال اقتناء وتربية الحيوانات المفترسة    أمام خادم الحرمين الشريفين.. السفراء المعينون حديثاً لدى عدد من الدول الشقيقة والصديقة يؤدون القسم        #وظائف هندسية شاغرة لدى شركة نوماك في 3 مدن    الأهلي يعود للانتصارات بالشرطة        113 ميدالية لتعليم المدينة المنورة في مسابقة الكانجارو الدولية للرياضيات    من رفيف إلى سُراق الشهادات!!    الباحث محمد الحاجي: الندم على تفويت الفرص يترك جروحًا غائرة في النفس        استنساخ تجارب شؤون الحرمين    رمضان.. يذكّرني به    مفتى المملكة: أخرجوا زكاتكم بموثوقية واطمئنان عبر خدمة «زكاتي» الإلكترونية    أسباب الإصابة بعد أخذ الجرعتين    انتبهوا.. وزارة الداخية بالمرصاد    انطلاق حملة حصن في الليث لتطعيم كافة منسوبي ومنسوبات التعليم    جولف السعودية تطلق نادي السيدات    عزاء    #أمير_تبوك يستقبل مدير الشؤون الصحية بالمنطقة    أمير الشمالية يثمن موقف مواطن تبرع بكليته لفتاة يتيمة الأبوين    المفتي العام ينوه بإضافة فرعين لأبناء الشهداء والقراءات بمسابقة الملك سلمان لحفظ القرآن    بايدن: حققت هدفي الأول.. وطريقنا مع التطعيم ضد كورونا لا يزال طويلا    مأزق الحكومة لا ينتهي.. شرطة أوهايو الأمريكية تقتل فتاة سوداء عمرها 16 عاماً    في 7 دول.. "إنستغرام" تتيح تنقية الرسائل من العبارات المسيئةmeta itemprop="headtitle" content="في 7 دول.. "إنستغرام" تتيح تنقية الرسائل من العبارات المسيئة"/    "الوزراء" يعقد جلسته برئاسة خادم الحرمين ويتخذ عدداً من القرارات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فاز هو ... سقطنا نحن !
نشر في الحياة يوم 31 - 10 - 2004


إعتذار إلى أحمد... في تلك البلاد
- نتردى يوماً بعد يوم وتتصحر خضراؤنا، يصلب رئيسنا منذ عقود ونموت نحن بصمت، أفلا تتكرمون علينا سادة الإعلام بقليل إهتمام؟ عتاب كلماته الرقيقة شق إبتسامة تواضعي السمج كما يفعل حد النصل. كان قد مرر لي الكلمات تلك على طاولة مؤتمر يغص بالديموقراطية والديموقراطيين. لكن هنا في بلاد البرد والمنفى والإستعمار المشتوم، وليس في أي واد أخضر. كنا كما الأيتام نتحدث لغة لا توجد في ودياننا. حروف عربيته شجر غابت عنه يد مزارع ماهر فصارت فوضى. للحظة ما شعرت بأن الحروف نفسها مرتعشة ومطاردة تلتفت حواليها في كل جانب، لهذا بدت كإرتباكات غصون الشجر.
- خضراؤك خضراؤنا يا أحمد. كتبت له على نفس الورقة: لتكرم عيون المروج الخضر في كل واد. أعدك من القلب بأن أصقل كل حروفي وكاميراتي وأحاول.
مضينا ومضت الأيام. هاتفته مبشراً: جاءت الموافقة. جلسنا متقابلين ترصدنا كاميرا جامدة. "تآمرنا" على أن نسير بين حبات مطر يقصفها برق مكهرب. لصوص الأحرف والكلمات نحن نهرّبها حرفاً حرفاً. نقف على بوابات أفواهنا المتلعثمة بإرتباك حركة الحروف المتصادمة خروجاً ودخولاً، تردداً وتصادماً، يرعبها خواء المعنى. نحن لصوص الأحرف, وحراس الأحرف في آن معاً: نختم صك موافقة فوق ظهر كل حرف قبل أن يخرج. هذا الحرف سليم، هذا الحرف محير، هذا الحرف يحرفنا عن السلامة، هذا الحرف يجرنا إلى حيث القبائل السجينة. حرفاً حرفاً نصنّفها ونقرر ما نفعل بها: نحررها، نُلبسها طاقية الإخفاء، نخفف عريها، نكسوها بعض تفاهات المجاملات، ندجّن جموحها، أو نعيدها إلى حناجرنا لتموت هناك, ويموت معها شيء منا وفينا.
كما اتفقنا،, أحمد اليقظ يتحسس الحروف عند كل جواب، يناغيها، يفتشها قبل تخطي حاجز الشفاه، يطمئن الى أنها "نظيفة" لا تتسلل في ثناياها محرمات وممنوعات، ثم يطلقها بتؤدة ورفق ويده على قلبه أن تصل لمروجه الخضر. حرفاً حرفاً هذه اللغة اللينة التافهة تخرج وكلها عشر أعشار حقائق. شتمت نفسي في سري لا أعرف لماذا. لا أحد يحتمل الحقيقة كاملة. أحمد يعرف ذلك، وأنا أعرف. عشر حقيقة أفضل من لا شيء في غابة تحرسها ذئاب الكذب. هكذا اتفقنا.
أحمد يعرف، وأنا أعرف أن الرئيس رئيس هناك إلى يوم الدين. كلانا يعرف أن صندوق الأصوات لا قعر له، تهبط فيه الأوراق حاملة أطنان "النعم" لإسمه المبجل لكنه يظل خفيفاً ومثيراً للشفقة و... النقمة. كل اليافطات تهلل بالنصر القادم المبين.
- ماذا تريدون إذاً، ولماذا تشاركون إن كنتم موقنين بشكل النهاية؟ تحسس أحمد الحروف ثانية، وقال: لأننا نريد أن نقول لناسنا وأحبّتنا أن مصافحة فجر جديد، وإن بدا بعيداً عنا مسيرة دهر، يجب أن تمر بغير طريق الدم. نعلم أننا لن نحقق شيئاً. ففي تلك البلاد مسيرة الألف ميل لا يُعرف فيها حتى موضع خطوة الميل الأول، لكننا مع ذلك ننحاز الى احتراقنا الداخلي على تردي إغراء الدم.
- لكنك تقول ما تقول وتنتقد ما تنتقد لأنك آمن هنا. فماذا سوف تقول عندما تسافر غداً ويستقبلك رجال الأمن في المطار؟
- أقول لك هنا ما أقوله هناك. ليس عندي مسدس أخفيه، أو رقم هاتف غير مراقب. يعلمون عني ما بالكاد تعلمه الآلهة، لكن سريرتي ساكنة مطمئنة. كل أسلحتي هي هذه الحروف... وأنتم.
- نحن؟ من تقصد؟
- أقصد من يحترم الحروف ويعطيها خيولاً تركض بها لتصل إلى الناس.
- تقصد الإعلام؟... أنت تعطينا ما لا نستحق وأحياناً ما لا نستطيع فعله.
أغلقنا الكاميرا وودعنا بعضنا بعد أسبوعين سوف تمتطي حروفه الطليقة أثير الهواء، تعبر الحدود، تصهل فوق أسرجة حرية منقوصة، تدق قلوب الناس، تعانقهم، تمرر لهم عشر أعشار الحقيقة، تطمئنهم الى أن المروج الخضر ليست إقطاعية. مضينا ومضت الأيام. هاتفني وقد فات موعد بث الحرية المنقوصة: خالد ماذا حدث؟ لفني صمتي التافه وخنقني خجلي. شعرت بحروفه وكلماته المعاتبة الرقيقة التي اختنقت في الكاميرا تخرج منها للحظة وتحيط بي لتخنقني أنا الآخر.
- قلت لي إنه ما دمنا يقظين على مخرج كل حرف فإن الأمور ستكون على ما يرام؟ أجبته: كنت أظن نفسي حاذقاً! كنت صادقاً معك، لكني أشعر معك بالأسى والخديعة!
صديقي أحمد، هو فاز وأنا سقطت., أنا وكلنا سقطنا في تفاهة صمتنا، تحاصرنا ألسنتنا المقطوعة، صارت أفاعي مسمومة تتربص بنا. كانت جزءا منا، صارت عدواً لنا. صديقي أحمد أعتذر إليك ولكل العيون الدامعة في المروج الخضر. سامحني!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.