تنسب ما بعد الحداثة، في شكلها العجول على الأقل، جملة من المفاهيم الى زمن مضى هو: "عصر النهضة" مثل: الشعب، السياسة، المثقف، التقدم، ... يلتحق بهذه المفاهيم موضوع لا يعوزه الالتباس هو: الثقافة الشعبية، الذي إن لم يبدُ اليوم حقلاً يداعبه النسيان بدا شأناً أكاديمياً متقادماً، أو قريباً من ذلك. يصدر الالتباس الأكيد عن أكثر من اتجاه: فالثقافة الشعبية لم تظفر تاريخياً باستقلالها الذاتي، وهو شرط وجودها، إلا في مناسبات قليلة، وهي، كما يرى أنصار الحداثة، فقدت اليوم المرجع الذي تحيل عليه، أي الشعب، وهي فوق هذا وذاك مضطربة التعريف والموضوع. فالقول لها قول بثقافة اخرى تغايرها هي: الثقافة الرسمية، وإحالة، في الوقت ذاته، على الثقافة الأكاديمية، أو العالمة، تلك التي ينتجها مختصون، يرون في الشعب مادة للدراسة ويعالجون ثقافته بمعايير كُتبيّة. غير أنها على رغم تشتتها في أقاليم مختلفة حاضرة في مجالات قريبة أو متاخمة مثل: الثقافة المحلية والثقافة القومية والوطنية والدين الشعبي... كأن في الثقافة الشعبية ما يعرّفها سلباً، مانعاً عنها تعريفاً إيجابياً شاملاً، ورابطاً مصيرها الهش القلق بالمرجع "الشعبي" الذي تنتمي اليه. في دراسة تتجاوز ثلاثمئة صفحة عنوانها: "أوراق في الثقافة الشعبية" يعطي الباحث المصري عبدالحميد حوّاس كتاباً متعدد الوجوه: فالكتاب مسكون بحنين صاخب عالي الصوت، يربط بين الثقافة الشعبية والذات الوطنية المستقلة، ويربط بين العلاقتين و"نخبة وطنية مستنيرة"، رأت مرة في رفاعة الطهطاوي قدوة منيرة لها. والكتاب معزول ومعتزل يجتهد في إيقاظ موضوع مهجور تجتاحه "العولمة" من طرف وتكتسحه "التصورات" التي تنهر كلمة الشعب من طرف آخر. والكتاب أمين نزيه يسائل مواضيعه النظرية والتطبيقية بجدية عالية، متنقلاً في فضاء ماضوي، أو هكذا يبدو، يحتضن الأغاني والأمثال والموالد والأعياد الشعبية والسير، ويتوقف أمام "الأراجوز" وصفحات جميلة من "ألف ليلة وليلة". والتفاؤل هناك، صريح أم مقنع، يوحي به موضوع دافئ ولا يبخل به باحث يلامس موضوعه بحنان كبير، ويؤمن بآفاق الثقافة العربية. تستدعي هذه العناصر جميعاً موضوع "الثقافة الوطنية"، التي عليها أن تنقّب تائهة عن: "الدولة الوطنية"، التي طرحت عليها "العولمة" اسئلة قاسية. وسواء قبلت العولمة ب"الوطني"، أم صيّرته احتمالاً لا أكثر، فإن السؤال الصعب الأول هو: ما هي الثقافة الشعبية؟ والجواب المتوقع هو: "إنها الثقافة التي ينتجها الشعب ويستهلكها الشعب أيضاً". غير ان في الجواب البسيط سؤالاً أكثر صعوبة هو: هل يوجد الشعب حراً كما يريد أن يكون، أم انه مقيّد أبداً الى سلطة تضع الحدود بين المسموح والممنوع؟ عندها يقع السؤال على إحدى الاجابتين التاليتين، تقول الأولى منها: يقمع النظام السياسي الذي اغتصب إرادة الشعب الثقافة الشعبية ويرى فيها ثقافة خفيضة متسفّلة لا تتفق مع الثقافة الرسمية الرفيعة، وتقول الثانية: تزدهر الثقافة الشعبية في أزمنة الأنظمة المعبّرة عن الإرادة الشعبية. غير ان الإجابة الثانية لا تسير بعيداً، لأن النظام الوطني يُدرج الثقافة المقصودة في جهازه الايديولوجي ويحوّلها الى ثقافة سلطوية. بهذا المعنى، فإن الثقافة الشعبية قائمة وغير قائمة في آن، ينتجها الشعب ويستهلكها أحياناً أو ينتجها الشعب وتستهلكها السلطة كيفما تشاء، إنها ثقافة - احتمال لا أكثر. ولعل وَضْع الثقافة - الاحتمال هو الذي يشرح العلاقة بين الرواية والثقافة الشعبية، ذلك ان الطرفين ينقضان الواقع ويريان اليه بصيغة الجمع المتنوع، وإن كان الروائي الملتف بالعزلة والمتخيل والمكر الروائي لا يهدد أحداً. يخترق الاحتمال وجود الثقافة الشعبية من دون أن يخترق غاياتها. فهي ثقافة تتأسس على "الضدّ" وترى في السلطة الظالمة ضداً لها، سواء كانت سيطرة أجنبية مسلحة أم "سلطة محلية" ورثت ظلم الأجنبي ولم ترث قوته. وهي مشغولة بالقيم الانسانية الخالدة، ترنو الى العدالة وتحتقب في ثناياها "مهدياً منتظراً"، وتتطلع الى المساواة وتضع غناء المرأة في مواجهة غناء الرجل وتحتفي ب"المبروك" من دون أن تسأل عن طائفته. وهي ثقافة جماعية قوامها الحرية، فلا فواصل بين المفرد والمجموع، ولا بين فرق الإنشاد والجمهور، ولا بين مضمون القول والصوت الجماعي القائم فيه. غير ان ما يميز هذه الحرية هي اللغة التي لا تقتصد في "الإفحاش والإقذاع"، كما يقول حوّاس، لا حبّاً في البذاءة ولا احتفالاً بالخليع المكشوف، بل رداً على السلطوي المتجهّم المترصّن الكاذب، الذي يبارك اللغة المباركة ويمعن في الفحش والعبث في ضمائر البشر. انه انتقال من الرأس الجليل الزائف والذهن المترصّن المتعالي الى عالم الصوت الحر والجسد المتثنّي والأعضاء المستريحة، أو انه انتقال من العالي الشكلاني الى الدنيوي المتعدد في همومه وقضاياه وأفراحه الصغيرة. ولعل هذه المسافة بين المجرد اللغوي والمجسّد الدنيوي هي التي تقيم علاقة أخرى بين الرواية والثقافة الشعبية، وتُدرج تعددية الصوت في علاقات البنية الروائية. ففي اللغة الشعبية، كما في لغة الرواية، يختلط الشفهي بالمكتوب والعامي بالفصيح، بعيداً من كل مركز لغوي مكتفٍ بذاته، ومن كل منظور يفاضل بين اللغات ويفاضل أكثر بين البشر. ينوس وضع الثقافة الشعبية بين رفض سلطوي باتر لها وقبول "وطني" يعيد انتاجها علاقة ثقافية سلطوية أخرى. والعودة الى تاريخها القريب، في شكله العربي، يضيء وجوهاً من أحوالها. فقد حرّضت على الاستعمار، كما يشير حوّاس في دراسة متميزة، متكئة على تصورات التناظر والتعزيم والسخرية محوّلة حرق الدمية - المستعمِر الى احتفال طقسي جماعي، يتوزع على اللهو والكفاح في آن. وإذا كانت هذه الثقافة وجدت في فضاء الكفاح الشعبي - الوطني متنفساً وشرطاً ملائماً لها، فإن دولة "الاستقلال الوطني" لوت عنق كثير من عناصرها، مكتفية بأسطورة "البطل المخلص"، الذي يحتاج اليه الشعب ولا يحتاج الى الشعب. وواقع الأمر أن مصير الثقافة الشعبية، في الزمن الذي سبق الاستقلال، يساوي كثيراً مصائر علاقات حداثية اخرى مثل: المثقف والحزب والصحيفة والنقابة، التي اختصرها الاستقلال لاحقاً الى ذكريات بعيدة "غير وطنية". ومع تراجع الديموقراطية، الذي اتسع بلا انقطاع منذ عام 1967، كما تزايد السيطرة السلطوية على الأجهزة الإعلامية المختلفة، تراجع الشعبي، سياسة وثقافة، الى حدود الانطفاء، تاركاً المكان كله ل: الجماهيري، الذي يصيّر الأغنية الشعبية الى سلعة مشوّهة ويستبدل بالدين الشعبي المتسامح ديناً متعصباً، ويختصر أبا زيد الهلالي الى فُرْجة بائسة المضمون، تنسب الحاضر الى الماضي وتضع في الزمنين بطولات لا حدود لها. ان هزيمة الشعبي المتسامح الطليق امام الجماهيري السلطوي المصنّع والمصطنع اثر للقمع السلطوي المتعدد ومتكأ استراتيجية التحريم الشاسعة، التي ترى في الغناء حراماً وفي الغناء الجماعي المختلط رجساً وفي اللغة العامية دنساً والأعياد الشعبية فسقاً... بهذا المعنى، نقضت السلطة الشعب وهزمت ثقافتها الجماهيرية ثقافتَه، وكفرّ الجماهيري المقدس الموسّع الشعب والسلطة والثقافتين الشعبية والجماهيرية في آن. درس عبدالحميد حواس في كتابه مواضيع متكاملة: الحكاية، الأدب الشعبي وقضية الإزاحة والإحلال، الحكومة في الثقافة الشعبية، الموسيقى الفولكلورية، مدارس رواية السيرة الهلالية في مصر، نوادر جحا... وإذا كان في الدراسة ما يكشف عن معرفة لا ينقصها اللمعان انظر دراسة: "العريس ملكاً"، فإن فيها مادة واسعة توحي بأسئلة كثيرة: ما الذي يقيم علاقة صريحة بين صعود الثقافة الشعبية والحداثة الاجتماعية؟ لماذا تُعيد الجهود الأكاديمية، حتى لو كانت صادقة وشديدة الصفاء، انتاج الثقافة الشعبية كثقافة نخبوية؟ لماذا لم تنتج الثقافة الشعبية من داخلها الشعبي مَنْ يقوم بتطويرها وترهينها؟ لماذا بقي أبو زيد الهلالي، أو عنترة، صورة عن البطل الشعبي في ذاكرة الانسان العربي حتى اليوم، بينما يتمثل البطل الشعبي الأوروبي اليوم بالكونت دي مونت كريستو أو أرسين لوبان أو شرلوك هولمز؟ ما الأسباب التي تجعل التصور الديني المتعصب لا يميل الى الرواية ولا الى الثقافة الشعبية؟ في أزمنة غير هذه، اشتقّت الثقافة الشعبية "البطل المخلّص" من السلطة والحاضر والماضي مؤمنة، بوعي أو من دونه، ب"الإنسان المتفوّق" أو "السوبرمان"، قبل أن يصل زمن الجماهير المتماثلة، التي تنتظر يوم الحساب ولا تنتظر غيره.