يعتبر الطلاب العرب في جامعات مونتريال أربع جامعات اثنتان فرانكوفونيتان "اوكام" و"مونتريال"، واثنتان انكلوفونيتان "كونكورديا" و"ماغيل" تضم جميعها حوالى عشرة آلاف طالب وطالبة من جنسيات عربية واسلامية مختلفة من اكثر الناشطين دفاعاً عن القضايا الوطنية والقومية، وفي طليعتها قضيتا فلسطينوالعراق. فمن خلال روابطهم واتحاداتهم الجامعية استطاعوا ان يستميلوا قسماً من الرأي العام في مقاطعة كيبيك سواء على الساحة الاكاديمية، طلاباً وأساتذة، او في الاوساط الرسمية والنقابية والاعلامية والحزبية. باختصار يشكل الطلاب العرب، خصوصاً الفلسطينيين منهم، وفي جامعة كونكورديا تحديداً معقلهم الرئيس خط الدفاع الاول عن القضية الفلسطينية وصلة الوصل مع منظمات المجتمع المدني الكيبيكي كونهم الاكثر كفاية ومقدرة على ابراز الوجه الحقيقي للنضال الفلسطيني المشروع وكشف ما تلجأ اليه اسرائيل من اعمال القتل والتشريد والهدم والاعتقال، ما يدخلهم في صراعات شبه دائمة مع المنظمات اليهودية المتطرفة، تتفاوت حدتها بين مواجهات باردة حيناً وساخنة حيناً آخر. تعود خلفيات الصراع القائم حالياً بين الطلاب العرب على مختلف روابطهم وانتماءاتهم وبين الطلاب اليهود ما عد الشريحة المناهضة للصهيونية واسرائيل في جامعة كونكورديا، الى حادثتين رئيسيتين ترجع احداهما الى التظاهرة التي نظمها الطلاب العرب احتجاجاً على سماح ادارة الجامعة باستضافة بنيامين نتانياهو رئيس وزراء اسرائيل السابق لالقاء محاضرة عن الشرق الاوسط لم يتمكن حينها من القائها بسبب تلك التظاهرة الامر الذي اثار استياء المنظمات اليهودية التي شنت حملة تشهير واسعة لم يسلم منها رئيس الجامعة وعناصر الشرطة ورئيس بلدية مونتريال فضلاً عن اتهام الفلسطينيين بانهم "عنصريون فاشيون لا ساميون ومعادون للديموقراطية". اما الحادثة الثانية وان بدت مفصولة عن الاولى الا ان المنظمات اليهودية وجدت فيها فرصة سانحة للاستفزاز والتحريض ضد كل ما هو عربي او اسلامي او فلسطيني او كيبيكي. فالتظاهرات العارمة المناهضة لحرب محتملة على العراق والتي اجتاحت أخيراً المدن الكندية كافة، خصوصاً تظاهرة مونتريال التي كان لها على ما يبدو، وقع سيئ على اللوبي اليهودي ودلالات سياسية لم يكن يتوقع حدوثها ان لجهة ضخامة المشاركين فيها اكثر من 35 ألفاً معظمهم من الكيبيكيين او لجهة تنظيمها من المجلس المركزي للنقابات الكيبيكية وهي سابقة لم يحصل مثيل لها من قبل في اي مناسبة عربية اخرى او لجهة توحد الروابط الطالبية العربية والاسلامية والكندية واليهودية وما رافقها من شعارات معادية للصهيونية واسرائيل. يبدو اذاً ان هاتين الحادثتين على ما بينهما من قواسم وابعاد مشتركة قد اثارتا حفيظة المؤسسات اليهودية المتطرفة في مونتريال وراحت تصب جام غضبها لا على الطلاب العرب وحسب وانما على منظمات المجتمع المدني الكيبيكي برمته وعلى كبار المسؤولين الرسميين ايضاً. فتحت عنوان "مونتريال مدينة فاشستية وتوتاليتارية" نشرت مجلة "تريبيون جويف"، مقالة مطولة من ثماني صفحات بلسان مديرتها وصاحبتها غيلا سروكا وتضمنت سلسلة من المواقف العدائية والاستفزازية والتحريضية تمحورت حول ما اسمته "تنامي النزعات النازية واللاسامية والعنصرية في الجامعات خصوصاً كونكورديا والاعلام صحيفتا لابرس ولو دوفوار وتلفزيون كيبيك ومجلس النقابات الكيبيكية". كما نعتت تظاهرات الطلاب العرب بأنها "هتلرو - اسلامية" ومونتريال "عاصمة لفلسطين". وسألت سروكا في ختام مقالها: "هل على اليهود بعد كل ذلك ان يواظبوا على ارسال الهبات والاموال الى جامعة كونكورديا دعماً للارهابيين الفلسطينيين ؟". يشار الى ان هذه الاتهامات لاقت ردود فعل عنيفة من الكثير من المثقفين والاعلاميين والنقابيين الكيبيكيين كان ابرزها تنديد رئيس وزراء كيبيك برنار لاندريه ورئيس بلدية مونتريال جيرار ترامبليه. ومما قاله لاندريه: "ليست الجامعات ولا النقابات ولا الاعلام هي التي تجاوزت الحدود وانما سروكا نفسها هي التي تخطت كل حدود النشر وحرية التعبير" معتبراً ان مقالها "رسالة سوداء تنضح بالحقد والكراهية". وعلى رغم إدانة الرأي العام الكيبيكي الرسمي والشعبي والاكاديمي، اقدمت ادارة جامعة كونكورديا بتاريخ 5 شباط فبراير 2003 على فصل الطالب سامر الاطرش كندي من اصل فلسطيني - 23 عاماً - في سنته الاخيرة في الادب الانكليزي - ونائب رئيس اتحاد طلبة فلسطين لمدة ثلاث سنوات. وأكد الاطرش ان عدداً آخر من زملائه هم على لائحة الفصل ايضاً. ولدى سؤاله عن ردود فعله على قرار الفصل اجاب: "كنت اتوقع اتخاذ اجراء ما انما قرار الفصل كان جائراً جداً ربما ارادوا ان يجعلوا مني عبرة لزملائي الآخرين" علماً كما يقول: "اننا كنا نعقد الندوات والمحاضرات ونقيم المناظرات بيننا وبين اليهود ولم يكن اي شيء محظوراً من قبل"، ويضيف: "ربما جاء قرار الفصل نتيجة لضغوط مورست على رئيس الجامعة من جانب الحركات والتنظيمات اليهودية المتطرفة"، وعلى كل حال وعلى رغم خطورة قرار الفصل على مستقبله الدراسي يؤكد الاطرش على "انني كنت وسأبقى من الناشطين في الجامعة وخارجها ضد الحركة الصهيونية والاحتلال الاسرائيلي وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني". ويكشف بلال حميدة رئيس اتحاد الطلبة المسلمين في كونكورديا - 25 عاماً - كندي من اصل سوري عن ان زميله الاطرش "كان ابرز قادة الطلاب الفلسطينيين ويتمتع بشخصية كارزمية ويتميز بمقدرة فائقة على التحاور مع الآخرين كما كان مدافعاً شرساً عن قضيته العادلة يساعده في كل ذلك اجادته للغة الانكليزية التي يتكلمها بطلاقة متناهية". ويرى الطالب شادي معروف ان قرار الفصل والقرارات الاخرى التي ستصدر لاحقاً هي بمثابة "نكسة للنضال الفلسطيني" في حين ان رئيسة الاتحاد الكندي يهودية يسارية من اصل الماني قالت: "اننا بصدد توكيل محام عن المفصولين ورفع دعوى امام القضاء". وخلافاً لهؤلاء ثمة من يرى ان تصرفات بعض الطلاب العرب في الجامعة يغلب عليها احياناً "طابع الحدة والعاطفة والتسرع ما يشوه عدالة قضايانا ويؤلب علينا الاصدقاء والاعداء". ويبدو بعد هذه "النكسة" ان هناك محاولات جادة لاستعراض المواقف السلبية والايجابية وتقويمها في شكل موضوعي اقلها الابتعاد عن الانفعال وتجنب مظاهر العنف اياً يكن شكله وتعزيز الروابط الطالبية العربية والتنسيق في ما بينها لا في جامعة كونكورديا وحسب وانما في مختلف الجامعات.