يتميز الاغتراب الفلسطيني في كندا، بحضور وتأثير لافتين عز نظيرهما لدى الجاليات العربية الأخرى التي لا تقل قضاياها الوطنية شأناً عن القضية الفلسطينية لجهة المعاناة والقهر والحصار العراق مثلاً. فالشباب الفلسطيني يحتل مكانة اكاديمية بارزة في الجامعات الكندية ماغيل وكونكورديا على وجه الخصوص حيث حوالى 2000 طالب وطالبة. وهو بفضل دقة تنظيمه وفاعلية روابطه الطالبية ونشاط خريجيه استطاع ان يقيم اوثق العلاقات والصلات مع اقرانه الكنديين داخل الجامعات وخارجها، سواء عبر اقامة المحاضرات والندوات والانشطة الثقافية والفنية والترفيهية المتنوعة او بانفتاحه الواسع على مؤسسات المجتمع المدني الكندي وانخراطه بها كما هي الحال في مشاركته في لجان حقوق الانسان والنقابات الطبية . فعلى الساحتين الكندية والكيبيكية لا تغيب يوميات الانتفاضة، خبراً وصورة، عن الصحف والاذاعات والتلفزيونات والفضائيات المختلفة، وجميعها تبرز صمود الشعب الفلسطيني، اطفالاً ويافعين وشباباً، امام آلة الحرب والدمار والحصار الاسرائيلية . ولا غرو في هذا التعاطف الانساني، اذ ان كندا الرسمية تمسك منذ وقت طويل بالملف الدولي لقضية اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الاوسط ، كما ان الكيبيكيين ايضاً هم على ما يبدو ، يتعاطفون مع الفلسطينيين اكثر من الإسرائيليين بسبب انغلاق اليهود الكنديين ومناوأتهم للسياسة الوطنية الكيبيكية يجهر اليهود في كيبيك بعدائهم لمشاعر الكيبيكيين الرامية الى انفصال مقاطعتهم عن كندا. وفي غمرة الاحداث الجارية في فلسطين نظمت "لجنة دعم الانتفاضة الكيبيكية" بالتعاون مع منظمة "المساعدة الطبية الفلسطينية" وهي جمعية غير حكومية وغير ذات ريع انشئت ابان الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 ، في 25 الشهر الماضي في سانت بيير - مونتريال ، حملة تأييد ومناصرة كتعبير رافض لتجاهل العالم الغربي والاميركي الرسمي ازاء ما تفرضه السلطات الاسرائيلية من حصار امني واقتصادي وتدمير لمرافق البنى التحية المدنية وانتهاكات وحشية لحقوق الانسان وحرياته . وتخلل الاحتفال معرض للفنون والمنحوتات اشتمل على اكثر من 60 لوحة تمثل جانباً من الحياة الفلسطينية على مدى نصف قرن من النضال والصمود وبازار لمصنوعات كيبيكيةوفلسطينية ارتيزانا خصص ريعها لأبناء الشعب الفلسطيني . كما اشتمل المعرض على جناح وثائقي خاص لأهم مفاصل الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، وجناح آخر لصور الشهداء من الأطفال الذين اصيبوا عمداً بالرصاص الاسرائيلي في صدورهم وظهورهم ورؤوسهم بلغ عدد شهداء الانتفاضة الى اليوم حوالى 365 والجرحى حوالى 11618 بحسب احصاءات جمعية المساعدة الطبية الفلسطينية. الى ذلك تميز الاحتفال بحضور جمهور كبير جله من المثقفين الكيبيكيين امثال الكاتب فرانسوا غور والشاعر الملحن رئيس الشرف جيل فينيو الذي استهل كلمته بعبارة جاء فيها "ان قلبي ينبض مع دقات السلام الجريح في فلسطين ولن اتوقف عن العزف على اوتاره الحزينة، بل سيبقى صوتي مدوياً ومتعاطفاً وبلا حدود ، مع صرخات اطفال الحجارة الى ان يسمع هنا وهناك من في آذانهم صمم والى ان تسكت آلة الهمجية الاسرائيلية". يشار الى ان الكثير من نشطاء حقوق الانسان والاعلاميين والاطباء والعاملين في الحقل العام كانوا بين الحضور امثال كلوديت برتراند ونيكول فورمان وماري كلود جيكير وفريدا غوتمان ولويزا غرافل وجوسلين ريموند وكوليت لوجندر ولميا شايب وعفيفة سيميني وريمون عصفور وجان غي لوجندر ولويزا ازاريا وغاستون سانشي ورزق فرج. وكان لافتاً ما اعلنته رئيسة "لجنة دعم الانتفاضة" السيدة كلوديت برتراند عن سلسلة من المشاريع والبرامج الانسانية المعقودة بين الجانبين الفلسطيني والكندي، لم يكشف النقاب عنها من قبل، بعضها جرى تنفيذه والبعض الآخر قيد الإعداد والتجهيز ومن بينها : - مشروع لتبني الاطفال الفلسطينيين لا سيما الايتام منهم من بعض الهيئات المدنية والاشخاص الكنديين من طريق التزامهم تقديم مساعدات مالية منتظمة كوسيلة لتحسين ظروفهم الحياتية والمعيشية والتربوية والصحية. - ارسال متطوعين كنديين، اطباء وممرضين ، مؤهلين بالخبرات الفنية والتقنية ومزودين كميات وافرة من الادوية الضرورية والمعدات الطبية الحديثة لمعالجة الحالات الصحية الطارئة. - برنامج لتأهيل الكوادر الفلسطينية من الشبان والشابات في كندا وإعدادهم وتدريبهم كفريق متخصص بالإسعافات الأولية لتفادي الخسائر الكبيرة في الأرواح الناجمة احياناً عن جهل المسعفين لأصول التكنيك الوقائية . - ايفاد من يرغب من الشباب الكنديين المتخرجين حديثاً في الجامعات لإكمال فترة تدريبهم في فلسطين ولسنة واحدة، وذلك في المجالات الصحية والتعليمية والتربوية والخدماتية وغيرها، علماً انه تقرر هذه السنة ارسال تسعة طلاب جامعيين على نفقة وزارة الشؤون الخارجية والتجارة في كندا. يستخلص من كل ذلك أمران رئيسيان، يدل الأول منهما على ان استمالة الرأي العام الأجنبي او بعضه على الأقل ، والتفافه حول بعض القضايا العربية المحقة، ليس امراً مستحيلاً كما قد يتبادر الى الاذهان ، اذ ان لا شيء ثابتاً حتى لدى من يصنفون في خانة الاعداء . اذا وظف اصحاب القضية انفسهم ما يملكون من طاقات وامكانات، واستثمروا ما لديهم من صداقات ومعارف ومواقع استثماراً عقلانياً وانسانياً بعيداً من الديماغوجية والغوغائية التي لا تفسد عدالة القضية فحسب وانما تشوه أيضاً مكامن الحق فيها.