لا شك انها بدت فكرة ذكية آنذاك لكبار المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية. فقد صدرت تعلميات باعداد وثيقة حول انتهاكات حقوق الانسان في عراق صدام حسين، كي تساعد على تهيئة الجمهور العام لنزاع محتمل في العراق. لكن الفكرة لم تحقق النتائج المرجوة بعدما تعرضت الى انتقاد عنيف من منظمة العفو الدولية. نشرت الحكومة البريطانية في الاسبوع الاول من الشهر الجاري وثيقة تقع في 23 صفحة بعنوان "صدام حسين: جرائم وانتهاكات حقوق الانسان". ووصفت الوثيقة في الحملة الاعلامية التي رافقت نشرها بانها اوسع تحقيق اجرته أية حكومة حول هذا الموضوع. وحسب تعبير جاك سترو وزير الخارجية فان "الوثيقة تقدم صورة مفزعة، وتتضمن شهادات عن اعمال تعذيب واغتصاب وانتهاكات اخرى فظيعة لحقوق الانسان. الهدف هو تذكير العالم بان انتهاكات النظام العراقي تتخطى بكثير سعيه لحيازة اسلحة دمار شامل منتهكاً التزاماته الدولية". قدمت الوثيقة، بالفعل، صورة مفزعة على رغم انها لم تتضمن، على نحو مثير للاستغراب، معطيات جديدة. فقد عرضت كيف قُمع الاكراد والمسلمون الشيعة، في شمال العراق وجنوبه على التوالي، بوحشية من قبل النظام. كما عرض شريط فيديو الى جانب الوثيقة، تضمن مشاهد لأسرى يُرفسون في الوجه ويُضربون، ولآخرين يعدمون رمياً بالرصاص. واحتوت الوثيقة معلومات مفزعة عن الاوضاع في "سجن التابوت" حيث يُحتجز في الطابق الثالث تحت الارض في مقر مديرية الامن العامة حوالي 100 سجين داخل صناديق معدنية لا تُفتح الاّ لنصف ساعة في اليوم. ومن بين وسائل التعذيب المستخدمة قلع العيون واستخدام احواض الحامض. أثارت استغرابي ردود الفعل على الوثيقة، واتوقع ان يكون هذا هو حال وزراء الحكومة ايضاً. فلا أحد في بريطانيا يكن لصدام حسين أي ود، وبشكل خاص افراد الجالية العراقية الذين كان كثيرون منهم فروا من بلادهم. كانت آيرين خان، السكرتير العام لمنظمة العفو الدولية، صريحة في تعقيبها على الوثيقة. وقالت ان "هذا الاهتمام الانتقائي بحقوق الانسان ليس سوى تلاعب مبيّت ومدروس لعمل نشطاء حقوق الانسان. دعونا لا ننسى ان هذه الحكومات بالذات اغمضت العين عن تقارير منظمة العفو الدولية بشأن الانتهاكات الواسعة في العراق قبل حرب الخليج". وقال النائب العمالي تام دالييل، اكبر اعضاء مجلس العموم سناً ومن أشد منتقدي سياسة الحكومة البريطانية تجاه العراق، ان هذه "الوثيقة الغير مألوفة الى حد كبير تهيىء الاجواء لحرب". وقدمت وزارة الخارجية الى الصحافيين السيد حسين الشهرستاني، الذي وُصف بانه سجين سياسي عراقي سابق، ليتحدث عن المعاملة التي لقيها. وقد لفت الى ان انتهاكات حقوق الانسان "كان ينبغي ان تُلحظ ويجري التحرك بشأنها منذ وقت بعيد". كان واضحاً ان منظمة العفو الدولية محقة في الموقف الذي اتخذته، وكان غضبها مبرراً. فقد استُخدمت تقاريرها على نحو واسع، وادعت ان الأدلة التي جمعتها منذ سنوات تُستخدم الآن من قبل الحكومة لتبرير حرب محتملة تهدف الى "تغيير نظام" استجابةً لطلب البيت الابيض. عندما استخدمت القوات العراقية اسلحة كيماوية ضد المدنيين الاكراد في حلبجة قبل عشرين عاماً، وقتلت حوالي 5 آلاف شخص، اطلعت الحكومة البريطانية بسرعة على ما كان يجري. لكن ايران وليس العراق هي التي كانت آنذاك تعتبر المتحدي الرئيسي للامن والاستقرار في منطقة الخليج، وجرى التقليل من شأن ما حدث في حلبجة من قبل الوزراء امام البرلمان. كان التعامل مع صدام يجري على مستوى رفيع بينما عوملت الحكومة الاسلامية في طهران بجفاء. وفي مواجهة الانتقادات غير المتوقعة لوثيقتها، اوكلت الوزارة لمايك اوبرايان، وزير الدولة لشؤون الشرق الاوسط، مهمة السعي لاستعادة بعض التأييد. وحاول ان يضع الوثيقة في سياق التقارير السنوية حول اوضاع حقوق الانسان في مختلف البلدان التي تقدمها الحكومة الى البرلمان. واتساءل اذا كان اوبرايان، الذي تولى منصبه قبل وقت قصير، نُبّه من قبل مساعديه بانه عند تقديم تقارير العام 2000 تم في اللحظة الاخيرة سحب القسم الخاص باسرائيل التي تملك سجلاً بالغ السوء في مجال حقوق الانسان - واعتقد ان ذلك جرى بمبادرة من 10 داونينغ ستريت. لذا فان هذا التقليد السنوي، على رغم انه يلقى الترحيب، بحاجة الى ان يستعيد صدقيته بشكل كامل. اصطدمت هذه الوثيقة بمشكلة اخرى كامنة. فلم يُمنح سوى 150 عراقياً حق اللجوء الى بريطانيا في الفصل الثالث من هذا العام، من بين آلاف كثيرة من طلبات اللجوء. وهو ما يدعو الى التساؤل لماذا هذا العدد القليل اذا كانت اوضاع حقوق الانسان في العراق سيئة الى هذا الحد كما تدعي بشكل صاخب وزارة الخارجية؟ وبالطبع فان وزارة الداخلية هي الجهة المسؤولة التي يتعيّن عليها الاجابة على هذا السؤال وليس وزارة الخارجية. ان عرض هذه الوثيقة المثيرة للجدل امام كاميرات التلفزيون قبل ستة ايام فقط من الموعد الذي كانت بغداد ستقدم فيه اعلاناً كاملاً الى الاممالمتحدة بشأن ما تملكه من اسلحة الدمار الشامل قد كشف نوايا الحكومة البريطانية. وبتقديري فإن منظمة العفو الدولية وغيرها من المنتقدين كسبوا الجولة بالنقاط. سياسي بريطاني، مدير "مجلس تحسين التفاهم العربي - البريطاني" كابو.