يُرسل بعض ابناء مجتمع القرّاء اشارات متباعدة تدل الى المعاني الخاصة التي يرتديها فعل القراءة لديهم منذ وقت غير قصير. فكلما حضرت القراءة في ايٍ من الاحاديث، يُعرب ابناء هذا المجتمع عن اسفهم المتكرر لعدم ايجادهم الوقت الكافي للقيام بها... يقارنون وقتها بوقت الرياضة، فلا يكفون عن القول إنهم لا يقرأون ولا يتريضون، لما في يومياتهم من مهمات ملزمة او ضرورية. يعرفون الكتب الصادرة حديثاً، مثلاً، لأنهم ما يزالون يواظبون على الذهاب الى معارض الكتب: بعضهم يشتري العناوين الجديدة ويضعها على رف من رفوف مكتبته، الانيقة غالباً، لعله يأتي اليوم الذي سوف يقرأها. فيما الآخر يكتفي بالقاء النظرة السريعة المعتادة على العناوين، إما لضيق حاله، او لواقعيته التي تثنيه عن الشراء بلا طائل. وهذا ما يسهّل تعرض مؤلف الكتاب الجديد المعروض في واحد من معارض الكتب الكثيرة، الى ما صار مألوفاً في مجتمع القراء: كأن يتصل به صحافي يريد تسجيل مقابلة معه حول كتابه ولكنْ... من دون ان يقرأه: يقولها الصحافي بصراحة من اعتاد على هذا الكسل ووجد فيه ضالته، فيردّ على المؤلف الذي يتساءل مثلاً عن مادة المقابلة في حال كهذه، بأنه سوف يسأله عن "الكتاب عموماً": وهذه اجابة صارت مقبولة تقريباً، وتعني التحلي بقدر عال من الواقعية. بل حصل في احيان كثيرة ان نوقشت كتب جديدة، في ندوات او لقاءات، لم يقرأها جلّ الذين عرضوها، فيما اكتفى الباقون بتصفحها او قراءة مقدمتها. فتمت مناقشتها، إذن، وسط جو صاخب بسوء التفاهم والنعوت السلبية المتبادلة. ومن صنف المؤشرات نفسها ان كاتباً في صحيفة يومية يلتقي بأحد ابناء مجتمع القراء، في المقهى مثلاً، فيقول له: "رأيتك" في تلك "الصحيفة". او في حال افضل: "رأيت اسمك" فيها. ويفهم الكاتب في الصحيفة بعد حين من المراس أن المقصود من هذا الكلام: "لم انسَك" او "ما زلت حاضراً"، "لكنني للأسف لم اقرأ ما كتبت". اما اذا حصل ان قرأ احد هؤلاء الابناء مقال الكاتب المعني، يؤهل به هذا الاخير بثقة من كسب اجراً عند مجتمعه. وفي السجال الذي اندلع منذ ما يقارب السنة حول كتاب "وليمة لاعشاب البحر" لحيدر حيدر، ما بين مدافع عنه ومدين لفحواه، اختفى الكتاب من الاسواق، بل طبعت نسخ جديدة منه. فالجميع كان ملهوفاً لشرائه، وأحياناً بأسعار السوق السوداء. ولكن بعيد هذه الهبة الشرائية، طغى على السجال غياب فعل القراءة نفسه. وتحولت عبارة "لم اقرأه ولكنني..." الى اللازمة المصاحبة لحجة كتّاب الطرفين الخصمين... وكأن فعل شراء الكتاب كان مفصولاً عن فعل قراءته، بل قل: كأن مجرد وضع الكتاب على احد رفوف المكتبة طمأن شاريه الى إلمامه بتلابيبه. ومع ان كاتباً شجاعاً ومعروفاً يتجرأ على التصريح بأنه لم يقرأ في حياته، المديدة، الا ثلاثة او اربعة كتب، وبأنه لا يحب القراءة على الاطلاق، ومع ان كتّاباً كثرين يكنّون في سرّهم الكره نفسه للقراءة، غير انه ما يزال لمجتمع القراء ومريديه بعض الطقوس القديمة. وهم يحيلونها الى زمن القراءة الذهبي، حيث كان القراء اناساً محترمين ومحبين لما يقولون انهم يفعلون: وأبناء هذا الزمن هم الآن من جيل الكهول، توقفوا عند القراءات الذائعة في ذاك الزمن. لم يقرأوا غيرها، ولو قرأوا. وهؤلاء المُفَوّتون هم، اذا جاز التعبير، كهنة القراءة الماضية، العائدة الى العصر الذي يُفترض انه "ذهبي". والمخلصون منهم لا يخرجون من دون ان يضعوا تحت ابطهم كتاباً هو محمول بحث يظهر عنوانه من بعيد، ويضمون الى مصاف قراءاتهم افلاماً سينمائية مقتبسة من رواية، او صفة واحدة، مفردة واحدة، اشتهر بها كتاب ذائع: كتعبير "نهاية التاريخ" الذي تحول الى وصلة كلام او قاعدة نقاش لتحولات العالم الجديدة... او يردون على سؤال بأنهم "نعم"، قرأوا... هذا الكتاب... وهم في الآن عينه قلقون في دواخلهم من احتمال سؤالهم عن مضمونه. والأرجح ان وفاء هؤلاء المؤمنين بالعصر الذهبي للقراءة أسهم في تغذية الوجه الآخر من سلوكنا تجاهها. وهو يتلخص في منح القراءة شأناً عالياً. فهذه ما زالت فعلاً نبيلاً، ذا طقوس محمودة. وتراجعها دليل جهل وتخلف وانحطاط. لذلك تقام لها المشاريع، الوطنية احياناً، والهادفة الى تعميم خيرها على الجميع، فتدعمها الدولة الحريصة على صورتها الثقافية المشعّة: معارض وعروض، قصور ونوادٍ ومراكز واحتفالات، طبعات زهيدة وأخرى جذابة... من اجل القراءة وحثاً على ممارستها بكثافة تعزيزاً لتراثها الكتابي: فأبناؤهم معروفون بأنهم من "اهل كتاب"، والقراءة من سنّة رسولهم: اذ اول ما باشره الله بالوحي امره: "اقرأ. اقرأ باسم ربك". هكذا دُرنا بالقراءة، حتى اصبحت مادة وعظية بامتياز، مادة تأنيب. أي، إذن، واجب ثقيل وتقصير فوق تقصير، كما توضع الكتب فوق بعضها في الرفوف، الى حين. انه هاجس تزيد وطأته كلما اضيفت جرعات المديح لفضائله، وكلما اشتدت الخطابة والرطانة التي تصف فوائده للعقول والنفوس. فتجري في مجتمع القراء دماء الرغبة في رغبة القراءة، فيروح المرء راثياً ضعفها، مجتهداً في اعداد اسباب تحقيق هذه الرغبة فلا يظفر الا بالقليل منها: فالوقت اصلاً متسارع وعزيز، وما تبقى منه ابتلعه طغيان الصورة على الحرف. فنحن ندخل حقبة المرئيات الحداثية، او المابعد حداثية، وكأننا انجزنا الحقبة السابقة من الحداثة... تلك التي نشرت في فصولها الاولى الحرف باختراعها الطباعة. بعبارات اخرى: اننا لم نتشبع بثقافة الحرف المكتوب، بل لم نكد ان نتكوّن على حبها وتمرّسنا بها، حتى وجدنا انفسنا مضطرين ان نودعها، وبما يرسمه وداعاً مهيباً ومديداً، يليق بمقام القراءة كواجب ما يزال حياً في الضمائر. او انه ذنب لا يمكن غير ارتكابه بالعزوف عنها من اجل إثم المشاهدة، الجذاب والمسلي. فالمنافسة الحادة والفوضوية بين الفضائيات العربية، وببرامج لا ذاكرة لها غالباً غير تكرار التفاهة المشعوذة... هي الشاهد على كيفية انتقالنا من الحرف الى الصورة: كيفية نخسر بها القراءة وراحة الضمير، ولا نربح بطبيعة الحال التكنولوجيا، لأن الذين انجزوا مرحلة الحرف هم وحدهم القادرون على ريادة مجالات الصورة والتكنولوجيا المحمولة بها.