هل كان خطأ ديبلوماسياً أم "زلة لسان" محسوبة من النوع المضاد، في ذلك الحين، لدى القيادات السوفياتية؟ هذا السؤال طرحه كثيرون يوم أدلى الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف بذلك التصريح الذي أثار، يومها، استياء الفرنسيين، وفي الوقت نفسه، حيرة الجزائريين. ما الذي قاله سيد الكرملين في ذلك اليوم الثالث والعشرين من أيلول سبتمبر 1960؟ قال بكل بساطة انه، وبلاده، يعترفان كأمر واقع DE FACTO، بالحكومة الجزائرية الموقتة. وأضاف بعد أن قال هذا أن "الجنرال ديغول بدوره قد اعترف بتلك الحكومة على تلك الشاكلة، طالما انه استقبل مندوبي الحكومة الجزائرية، استقبالاً رسمياً، في منطقة ميلان الفرنسية". محللو الصحافة الفرنسية علقوا على هذا القول، يومها، قائلين انه كان في الامكان عدم أخذ ذلك الكلام مأخذ الجدية، واعتباره، فلتة، اضافية من فلتات نيكيتا خروتشوف، رئيس الحكومة السوفياتية، لولا ان هذا الكلام قد أتى مندرجاً ضمن اطار دولي شهد تبدلاً جذرياً في مجرى العلاقات بين الدول الكبرى، ولا سيما بين واشنطنوموسكو، اثر حادثة اسقاط طائرة التجسس الأميركية فوق أراضي الاتحاد السوفياتي في شهر أيار مايو من ذلك العام. ونعرف بالطبع أن تلك الحادثة قد أفشلت لقاء قمة كان مزمعاً عقده بين الرئاستين السوفياتية والأميركية، وكان متوقعاً من مؤتمر القمة ذاك ان يحدث انفراجاً في العلاقات، الدولية، من هنا أحدث فشله زيادة في التوتر، وانعكست تلك الزيادة في تصرفات وتصريحات المسؤولين السوفيات ولا سيما في ما يتعلق بشؤون متشابكة ومربكة مثل المسألة الجزائرية علماً أن الكرملين كان قبل ذلك يبدي الكثير من التحفظ في التعبير عن آرائه وفي علاقاته مع الرئاسة الفرنسية، ولا سيما في ما يتعلق بسياسة فرنسا تجاه الجزائر. من هنا كانت الدهشة كبيرة حين أدلى خروتشوف بذلك التصريح اللامتوقع. وكان الأمر لمناسبة زيارة اعتبرت تاريخية في حينه قام بها الى موسكو الزعيم الجزائري فرحات عباس، رئيس الحكومة الجزائرية الموقتة وألحقها بزيارة الى بكين. ولقد ارتدت الزيارتان، يومها، أهميتهما من كون الثوار الجزائريين قد حرصوا قبل ذلك على أن يقصروا علاقاتهم الدولية على البلدان العربية وعلى القوى الشعبية والديموقراطية في الدول الغربية. في ذلك الحين لم تكن الأبواب قد انفتحت جدية بين الثورة الجزائرية والدول الاشتراكية. كان معظم المسؤولين الجزائريين يفضلون الانفتاح على واشنطن، للاستفادة من تنافسها مع باريس، على الانفتاح على موسكو أو بكين. غير أن الفشل المريع لمباحثات ميلان بين الثوار الجزائريينوفرنسا الديغولية، والتوتر الناجم عن حادثة طائرة التجسس، قلب الأمور رأساً على عقب، فوجد فرحات عباس ان الوقت بات ملائماً للتوجه صوب الدول الاشتراكية، وهو أمر شجعه عليه الرئيس جمال عبدالناصر، الذي سيقول كثيرون انه قبل ذلك كان ينصحه بالاقتراب من واشنطن أكثر. مهما يكن في الأمر فإن فرحات عباس قام بتلك الزيارة المزدوجة، وهو يدرك أن بلده الجزائر باتت تشكل مع الأمم الشابة في افريقيا وآسيا، محوراً أساسياً من محاور لعبة التنافس بين الكتل. وفرحات عباس الذي كان سبق له ان زار موسكو في العام السابق، بشكل يكاد يكون متكتماً واستقبل بكثير من التحفظ، وجد نفسه هذه المرة يستقبل وكأنه من رؤساء الدول ويكرم كثيراً، يكرّم الى درجة أن السيد خروتشوف تفضل يومها بذلك التصريح الذي سيرى كثيرون انه قلب معادلات كثيرة، وجعل الفرنسيين يليّنون موقفهم، ويعثرون على تخريجات لأزمة ديبلوماسية كان من شأن تواصلها أن يؤدي، حكماً، الى قطع العلاقات الديبلوماسية بين موسكووباريس، لكن هذا لم يحصل بالطبع، خصوصاً ان الأقنية الديبلوماسية افهمت الجزائريين يومها أن الوصول الى حد تلقي مساعدات مباشرة من موسكو، معناه وقوف واشنطن ضدهم، هي التي كانت تتعاطف معهم ولو نكاية بديغول. ومن هنا، بعد فورة اللقاء الأول الرسمي، عاد فرحات عباس، بديبلوماسيته المعهودة وكياسته، وطرى المواقف مكتفياً من موسكو، ثم من بكين، بدعم ديبلوماسي. وان كان لم يحزنه ان ذلك كله حرك الفرنسيين والأميركيين ودفع التسوية في اتجاهات أكثر وضوحاً، لكن تلك مسألة أخرى بالطبع. الصورة: فرحات عباس، ديبلوماسية الهدوء والتوتر.