عندما وصل منتخب الكاميرون الى اكرا لخوض مباريات الدور الاول من نهائيات كأس الامم الافريقية الثانية والعشرين لكرة القدم، لم يرشحه احد لنيل اللقب بل راح البعض يؤكد انه لن يتخطى الدور ربع النهائي على اكثر تقدير. وبنيت هذه الاراء على اساس العروض المتواضعة والهزيلة التي قدمها الكاميرونيون في التصفيات، وتأهلهم بشق الانفس الى النهائيات. لكن ما حصل كان العكس تماماً، لأن "الاسود غير المروضة" فرضت كلمتها منذ البداية وسيطرت على مجريات الامور فتصدرت المجموعة الاولى. وفي الدور ربع النهائي قضت الكاميرون على احلام الجزائر الصعبة بالفوز عليها 2-1، ثم تسلت بشقيقتها تونس 3- صفر في الدور نصف النهائي. وعندما انتقلت الى لاغوس لملاقاة نيجيريا صاحبة الارض والضيافة في اللقاء النهائي، لم تعر اي اهتمام للاجواء التي صاحبت المباراة ولم تتخوف من زئير نحو 100 الف متفرج احتشدوا في الملعب الوطني قبل اللقاء بساعات وهم يمنون النفس بفوز "النسور الممتازة" باللقب الافريقي الثالث. ولعبت الكاميرون وكأنها صاحبة الارض، وبسطت يدها على ارجاء الملعب منذ البداية في ظل اداء نيجيري متوتر. ومع مرور الوقت اكتسب الاسود مزيداً من الثقة وعرفوا كيف يصلوا الى مرمى الخصم بعد ان فكوا "لوغارتيمات" وتحصينات دفاعاته، فخافت النسور من منافسيهم اولاً ومن الجماهير اخيراً. ومع الهدف الكاميروني الاول ازداد الاداء النيجيري ارتباكاً خصوصاً ان الكاميرونيين لم يلجأوا الى الدفاع كما كان متوقعاً بعد احراز الهدف، بل رفعوا شعار "الهجوم خير وسيلة للدفاع" فكان لهم الهدف الثاني الذي اسقط النيجيريين واسكت جماهيرهم. وخشت الاسماء النيجيرية الكبيرة والبراقة من ان تضيع شهرتها الرنانة خصوصاً في اوروبا حيث يلعبون جميعاً، فانتفضت على اوضاعها وعبرت جسر الخوف الذي سيطر عليها... ونجحت فعلاً في تقليص الفارق ثم ادركت التعادل خلال دقيقتين فصلت بينهما 10 دقائق كاملة هي فترة الاستراحة بين الشوطين، لكنها لم تنجح في قهر عزيمة الكاميرونيين الذين لم يتأثروا نفسياً او ميدانياً بالتعادل وكانوا على بعد "مليمترات" من تحقيق الفوز عندما رد القائم تسديدة مبوما الصاروخية. وفي الوقت الاضافي، سعى كل فريق الى هز شباك الاخر من دون جدوى لأن الحذر والرغبة في عدم المخاطرة خيما على اداء اللاعبين. وفي النهاية، ضحكت الركلات الترجيحية للكاميرونيين لانهم كانوا اكثر هدوءاً في الوقت الذي لعب فيه الضغط الجماهيري دوره المهم على اصحاب الملعب. واللافت ان النيجيري نوانكو كانو الذي دافع عن سمعته كأفضل لاعب في القارة عام 1999 في كل مباريات البطولة وقاد بلاده الى النهائي، افسد "الفرح" لأنه اهدر ركلة ترجيحية اولى قبل ان يلحق به زميله بابانغيدا الذي لم يعترض على عدم احتساب الهدف رغم ان الجماهير جميعها رأت كرته تتجاوز خط المرمى. والغريب فعلاً ان كل انتصارات الكاميرون في المباريات النهائية الثلاث التي خاضتها في كأس الامم كانت على حساب المنتخب النيجيري اعوام 84 في ساحل العاج و88 في المغرب و2000 في نيجيريا. وعربياً، كانت الخيبة الكبرى من نصيب مصر التي فقدت لقبها وبريقها رغم نتائجها الجيدة في الدور الاول، ثم المغرب الذي خرج من الدور الاول وهو الذي يتصدر التصنيف العالمي على الصعيدين العربي والافريقي. وحاولت الجزائر قدر امكانها، لكنها ارتطمت اولاً بمقدارتها الداخلية ثم الكاميرون الذي كان مصراً على اعادة هيبته التي اكتسبها في مونديال ايطاليا 1990. اما تونس، ففاجأت الجميع بخسارة مرة امام نيجيريا 2-4، وعدلت من اوضاعها بعد ان تعادلت مع المغرب ثم فازت على الكونغو، لكنها لم تتأهل الا بعد ان خسرت المغرب امام نيجيريا صفر -2. وفي الدور ربع النهائي حالفها الحظ وفازت على مصر بركلة جزاء لخالد بدرا، لكنها انهارت تماماً امام الكاميرون وخسرت بالثلاثة في نصف النهائي. عموماً، هناك اجماع على ارتفاع مستوى الكرة الافريقية من دورة الى اخرى بحيث بات من الصعب المفاضلة بين منتخب واخر خصوصاً بالنسبة الى بلدان الصفوة، ويبقى ان تتحسن الاحوال الاقتصادية عموماً والبنية الاساسية الرياضية خصوصاً في باقي البلدان حتى تقترب الكرة الافريقية جداً من تحقيق انتصارات عالمية محسوسة.