حدث ذلك في حقبة من الزمن كانت فيها جموع من المناضلين السياسيين قد بدأت "تيأس" من السياسة وتتحول الى العديد من مجالات النضال والتحرّك المطلبي الاخرى، وخاصة مجال الدفاع عن البيئة. وقد ساد اعتبار مفاده ان النضال البيئوي هذا سوف يصب في نهاية الامر في خانة مقاومة "همجية الرأسمال وسيطرته على العالم"، اضافة الى استهانته بارواح الناس والطبيعة والثروات البشرية. كانت الاستجابة الأولية، من قبل الرأي العام، لذلك النوع من النضال، قد تبدت خجولة، حيث ان الرأي العام في مجمله كان يرى في حركة انصار البيئة الاحتجاجية نوعاً من الرومانطيقية، واستمرارا للحركة الهيبية التي كانت اشبه ب"الموضة" خلال سنوات الستين. لكن كان من حظ انصار البيئة ان راحت، في تلك الآونة بالذات، تتراكم سلسلة من المصادفات والاحداث ذات العلاقة المباشرة بالبيئة، لتؤكد على جدية النضال البيئوي وخطورة الممارسات الصناعية واستهانة الشركات الكبرى بالطبيعة وبحياة البشر. ولعل أهم وأخطر تلك الاحداث كان ما حصل عند سواحل منطقة بريتاني الفرنسية خلال الاسبوع الثالث من شهر آذار مارس 1978، وقد وصل الى ذروته يوم الحادي والعشرين من ذلك الشهر حين تبين للعالم أجمع بفضل الصور المتلفزة، كيف ان غرق سفينة ناقلة للنفط بالقرب من تلك السواحل، لم يكن مجرد حادث من احداث كثيرة تذكر في الصحف، خاصة وانه لم يسفر عن وقوع ضحايا بين البحارة بشكل مباشر، بل تحول ليصبح كارثة طبيعية رهيبة. بدأت الحكاية يوم 16 من ذلك الشهر، حين جاء العامل المكلف اقفال منافذ ناقلة النفط التي تحول دون تدفق النفط المعبأ على متن السفينة الى الخارج، ليخبر قبطان السفينة بان الباب يبدو له متداعياً وغير قادر على الصمود، اضافة الى ان السفينة ككل بدأت تنحرف. وكانت تلك السفينة واسمها "آموكو غاديز" قد حملت 230 الف طن من النفط في منطقة الخليج، وراحت تتجه بها الى مستودعات مدينة روتردام في هولندا، في رحلة عادية مثل ألوف الرحلات التي تقوم بها سفن من ذلك النوع سنوياً. و"آموكو غاديز" ما ان وصلت الى سواحل بريتاني بالقرب من منطقة سان - ماتيو، عند رأس فريهيل، حتى بدأت تنحرف عن مسارها، وبدأ البحارة يشعرون بالخطر. لذلك اسرع القبطان الى اطلاق نداء الاستغاثة، في اللحظة التي راحت فيها السفينة تغرق.. رامية حمولتها من النفط الخام المليء بالسموم في مياه البحر. وبسرعة هرعت البحرية الفرنسية التي كان همها الاول انقاذ بحارة السفينة وعددهم اثنان واربعون بحاراً، من الغرق والاختناق، وهو امر تمّ الوصول اليه بسرعة. ولكن في الوقت نفسه، كان لا بد من العثور على طريقة تمنع عشرات آلاف الاطنان من النفط من الوصول الى الشاطىء. خلال الايام الاولى كان هذا ممكناً لان اندفاع الموج والرياح كان مؤاتياً بعض الشيء. ولكن يوم 21 اذار مارس تبدل كل شيء اذ راحت اطنان النفط تندفع نحو الشاطىء، ملوثة كل ما تجده في طريقها من نبات وحيوان قاضيةً على طبيعة باسرها، وكان ذلك في وقت قبضت فيه الشرطة على قبطان السفينة متهمة اياه بالاهمال وارسلته الى المحكمة. صحيح ان تحرك البحرية كان كبيراً، وان الامور القضائية اخذت مجراها، لكن تلك المنطقة بأسرها من مقاطعة "بريتاني" كانت قد اصيبت بكارثة بيئوية واقتصادية ايضاً لان التلوث المرعب لمياه البحر وللمناطق الساحلية، قضى على نشاط الفنادق وصيادي السمك وغيرهم. وهكذا، في الوقت الذي راحت موجة النفط تهدأ بفعل التعبئة التي لم يسبق لها مثيل، والتعاون الذي قام بين السلطات وسكان المنطقة، راح صراخ المتضررين يعلو، ومن خلفهم صراخ انصار البيئة الذين وجدوا في تلك الكارثة خير معين لهم في تحركهم الداعي، دائماً، الى اعادة النظر في اساليب نقل النفط، وفي درجة أمان السفن وحماية البيئة الساحلية وما شابه ذلك. والحال ان حادثة غرق السفينة "آموكو غاديز" سوف تظل لاكثر من عقد من الزمن مرجعاً اساسياً في كل حديث عن البيئة، خاصة وان تلك السنوات شهدت اطول محاكمة من نوعها في تاريخ هذا النوع من القضايا.فسكان بريتاني، المتضررون رفعوا دعاوى للتعويض لدى المحاكم الاميركية، وهم تمكنوا بعد سنوات طويلة من النضال القضائي وتأليب الرأي العام العالمي من الحصول على جزء كبير من التعويضات التي كانوا يتطلعون الى الحصول عليها. والحقيقة ان اخبار المحاكمة التي استمرت كل تلك السنوات، وتزويد انصار البيئة لها باخبار متلاحقة حول ذلك الموضوع، كل هذا ساهم مساهمة اساسية في جعل قضية البيئة وحمايتها واحدة من القضايا الاكثر سخونة والحاحاً طوال سنوات الثمانين على مستوى العالم كله، واوصل عدداً من انصار البيئة الى المجالس النيابية، وحتى الى الحكم، في فرنسا مثلاً، وهو ما يمكن ان يذكّرنا بالمثل العربي القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد".