إذا كانت النضالات السياسية هي التي سيطرت على اجزاء كثيرة من العالم خلال سنوات الستين وبعض سنوات السبعين، انطلاقاً من مثل عليا سياسية سرعان ما اوقعت اصحابها في العديد من ضروب الاحباط وخيبة الامل، فإن عدداً من الظروف تواكب بعد ذلك ليحول النضالات السياسية الى نضالات تتعلق بالبيئة، ما جعل "اليساريين" القدامى الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس ايام الثورات التمردية يتحولون في معظمهم الى مدافعين عن البيئة، يخوضون العديد من المعارك في سبيل ما يرون انه "درء للاخطار التي تحيق بالكرة الارضية وبالبشرية من جراء تكالب العالم الصناعي، وهمجية الحداثة وسوء استخدام الانسان لموارد الطبيعة". والحال ان هذا النوع من النضالات الذي اعتبر، لدى افلاس حركات التمرد السياسي، نوعاً من الترف الفكري يمارسه، على حد تعبير احد الفلاسفة المتزمتين، "ثوار بورجوازيون صغار همهم ان يبحثوا عن مجال لتمردهم حتى لو كان مفتعلاً"، وعلى حد تعبير كاتب عنيد "مناضلون سابقون اصابتهم البطالة النضالية فاخترعوا لأنفسهم قضايا تقربهم من رومانطيقيي القرن التاسع عشر، وتجعلهم يؤثرون الطبيعة بشكل هلامي على الحداثة، خائضين في سبيل ذلك معارك دون كيشوتية". هذا النوع من النضالات سرعان ما وجد لنفسه مكانة اساسية منذ اواسط سنوات السبعين،تحديداً حين ادت كثافة الانتاج والبحوث العلمية الجديدة، والوعي البيئوي الى اقناع البشرية بأن الاخطار التي يتحدث عنها "انصار البيئة الرومانطيقيون" هي اخطار حقيقية تحيق بالبشرية. ومن هنا راح الناخبون في العديد من البلدان الاوروبية الغربية خصوصاً يعطون اصواتهم للمرشحين "الخضر"، في المجالس النيابية والبلديات وغيرها من مؤسسات الديموقراطية الشعبية، وما ان حلت سنوات الثمانين حتى اصبح الدفاع عن البيئة جزءاً اساسياً ومقبولاً من العمل السياسي المعاصر. وهذا كله تتوج، في الحقيقة، في العاشر من آذار مارس 1989، حين اكتسب الدفاع عن الطبيعة ضد همجية الصناعة والحداثة، طابعه الشرعي، وذلك عبر مؤتمر عقد في لاهاي بهولندا وكان موضوعه الاساسي البحث في مسألة بيئوية محددة شغلت الناس جميعاً في ذلك الحين: مسألة سخونة مناخ الارض وتلوث الفضاء الاقرب الينا، بسبب ثقوب طبقة الاوزون التي تحمي مناخ الارض عادة عن مساوئ حرارة الشمس، فإذا بها تنثقب بفعل سوء الاستخدام الحديث للصناعة ومنتجاتها مما يدخل الحرارة الزائدة عن المعدل المعتاد الى مناخ الارض ويهدد بكارثة حقيقية في المستقبل القريب. ولقد زاد من اهمية المؤتمر انه كان رسمياً، حضره العلماء والمدافعون عن البيئة ولكن حضره ايضاً وزراء ورؤساء حكومات من بينهم رئيس الحكومة الفرنسية في ذلك الحين ميشال روكار. ومن هنا يعتبر يوم العاشر من آذار يوم ولادة وعي بيئوي عالمي جديد عبّر عنه تصريح لاهاي، الذي صاغه روكار، مع زملاء له من رؤساء الحكومات، ومن بينهم رئيس حكومة هولندا ورئيس حكومة النروج، ويدعو التصريح الامم كافة للانضمام الى الدول الثمانين الموقعة على التصريح والتي تمثل قارات العالم الخمس، لكي تبدي مزيداً من التنبه ازاء الاخطار والكوارث التي تهدد مناخ الارض كله بفعل ما سمي يومها ب"تأثير الحصر" المناخي الذي تتعرض له الارض ولا سيما الناتج عن انثقاب طبقة الاوزون؟ ويلح التصريح على ضرورة الوصول الى صياغة مبادئ جديدة تتعلق بالقانون الدولي، والانطلاق في عمل جدي بوسائل اكثر فاعلية من قبل. وقال التصريح ان ثمة اجراءات تكييف وضبط باتت تفرض نفسها، آخذة في الاعتبار المساهمة التي يمكن ان تقدمها البلدان المختلفة، ذات مستويات النمو المتفاوتة، كل امة حسب امكانياتها، ومن هنا شدد البيان على ان الدول الصناعية الكبرى مسؤولة اكثر من غيرها عن كافة ضروب تلوث البيئة ومن هنا فإن عليها ان تمارس واجبات ضرورية وخاصة ازاء البلدان الفقيرة التي تتحمل نتائج التلوث الصناعي من دون ان تكون لها يد فيه. عبّر ذلك التصريح يومها، عن موقف حضاري وانساني. كان نقطة انطلاق اساسية للعديد من جمعيات انصار البيئة والتنظيمات المشابهة التي وجدت في التصريح دافعاً جديداً لها، ووسيلة تعطيها مشروعيتها، خصوصاً ان الرأي العام العالمي، منذ تلك اللحظة، راح ينظر الى المسألة نظرة جدية، ولم يعد يعتبرها مجرد نضالات وهمية بديلة عن نضالات سابقة فشلت. ومنذ تلك اللحظة صار النضال البيئوي جزءاً من المشهد السياسي العام على الصعيد العالمي.