- الرأى - رؤى مصطفى - الرياض : في التجارب الثقافية التي تراهن على الأثر بعيد المدى، لا يُنظر إلى الطفل بوصفه متلقيًا مؤجلًا للثقافة، بل شريكًا أصيلًا في صناعتها منذُ اللحظة الأولى. ومن هذا المنطلق يواصل نادي النَّوَى حضوره في مشهد أدب الطفل عبر برامج تتعامل مع الطفولة بوصفها الجذر الأول للكتابة، واضعًا المدرسة في قلب الفعل الأدبي، بوصفها الفضاء الأصدق لاكتشاف الموهبة وبناء الخيال. وتأتي سلسلة "أنا أحكي" التي تقودها أ.د أمل التميمي، نموذجًا لهذا التوجه، حيث تستهدف الطفل في بيئته التعليمية، وتعمل على تمكينه من الحكي والكتابة، ومنحه الثقة بصوته السردي، عبر شراكات مجتمعية فاعلة مع مدارس الطفولة المبكرة وجمعيات الطفل. وفي هذا الإطار، شكّلت فعالية "أنا أحكي (2)" تطبيقًا عمليًا لهذا المسار، إذ أُقيمت بدعم الشريك الأدبي، وبالتعاون مع المدرسة الرابعة والسبعين للطفولة المبكرة بالمدينة المنورة. لم تُقدم الفعالية بوصفها نشاطًا عابرًا، بل تجربة ثقافية تفاعلية أكدت أن الاستثمار في الطفل الكاتب يبدأ من الصف، ومن الحكاية الأولى التي تُقال بثقة، وأن المدرسة ليست مجرد مساحة للتلقين، بل بيئة أولى لتشكّل اللغة والخيال وبناء الوعي السردي. وقد ارتكزت الفعالية على الحكي والكتابة الإبداعية مدخلين أساسيين لاكتشاف الموهبة وتعزيز ثقة الطفل بقدرته على التعبير. وشهدت الفعالية مشاركة طالبة الهندسة سيرين عبدالعزيز التركي، التي قدمت للأطفال حكايات ملهمة، من بينها قصة مستلهمة من بوابة مكة بوصفها رمزًا للبناء والهوية، إلى جانب قصة حلمها المبكر في رسم البيوت، الذي قادها لاحقًا إلى دراسة الهندسة في جامعة طيبة، في تجربة جسّدت العلاقة بين الشغف المبكر وتشكل المسار العلمي والمهني، وأكدت أن الواقع نفسه يمكن أن يكون منطلقًا للإبداع. وشارك في الفعالية أطفال من جنسيات متعددة، في مشهد أدبي حي جسد اللغة العربية بوصفها مساحة جامعة للإبداع، تمنح الطفل حق الحكاية دون تمييز. وأسفرت التجربة عن مخرجات أدبية متنوعة، شملت قصصًا مكتوبة وحكايات شفهية عبّر فيها الأطفال عن أفكارهم وأحلامهم، في بيئة داعمة للسرد والخيال وبناء النص. ويعود نجاح الفعالية إلى التكامل بين نادي النَّوَى والبيئة التعليمية، ممثلة في قيادة المدرسة، حيث أسهمت قائدة المدرسة الأستاذة جوزى السهلي، ووكيلة الشؤون التعليمية الأستاذة فاطمة التميمي، ومسؤولة الشراكة المجتمعية الأستاذة لمياء محروس، إلى جانب الأستاذات البندري الجابري، وبينة القحطاني، ومزنة المطيري، ومولودة أكبر، وتماضر بهجت جنيد، وفريق المعلمات والمشرفات، في تهيئة فضاء يضع الطفل الكاتب في المركز، لا المتلقي فقط. وفي إطار ترسيخ الأثر الثقافي، جرى الاتفاق على توثيق نتاج الأطفال في ملف أدبي متكامل تمهيدًا لإصدار كتيب قصصي صغير، إضافة إلى تنفيذ جدارية داخل المدرسة تضم نماذج من إنتاج الأطفال وشهادات نادي النَّوَى، بوصفها أثرًا بصريًا دائمًا يشجّعهم على مواصلة الكتابة والحكي. وتؤكد تجربة "أنا أحكي (2)" أن أدب الطفل ليس نشاطًا ترفيهيًا، بل مشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا طويل الأمد، يبدأ من المدرسة، ويتعزز بالشراكة بين المؤسسة التعليمية والجهة الأدبية والأسرة. فالطفل الذي يُمنح صوته اليوم، هو الكاتب الواعي غدًا، لأن أدب الطفل هو المستقبل.