- الرأى - بدرية عيسى - جازان : في أرضٍ اختلط فيها عبقُ التاريخ بصوت البحر وهمس الجبال، لم تكن جازان مجرد موقع جغرافي، بل ذاكرة حيّة صاغها رجالٌ ونساء حملوا همّ المكان، وأسهموا في بناء وعيه الثقافي والاجتماعي. ومن بين أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالتوثيق والعمل الإعلامي، يبرز محمد بن عبد الرحمن الدريبي كاتبًا وباحثًا وإعلاميًا سعوديًا، وأحد الروّاد الأوائل للنشاط الصحفي المحلي في منطقة جازان. ارتبط اسم الدريبي بالعمل الإعلامي المؤسسي والتوثيق الثقافي، وأسهم خلال مسيرته المهنية في تعزيز دور الصحافة في خدمة المجتمع المحلي، ورصد التحولات التعليمية والثقافية التي شهدتها المنطقة على مدى عقود. النشأة والأصول ينتمي محمد بن عبد الرحمن الدريبي إلى أسرة تميمية الأصل تعود جذورها إلى مدينة ثرمداء بمنطقة نجد. وُلد والده عبد الرحمن بن عبد الرحمن الدريبي في ثرمداء عام 1330ه، وانتقل في أواخر عام 1348ه إلى المنطقة الجنوبية تنفيذًا للأوامر الصادرة من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ضمن جهود الدولة لترسيخ الأمن والاستقرار بعد معاهدة مكةالمكرمة مع إمارة الأدارسة عام 1345ه. استقر والده في منطقة جازان منذ مطلع عام 1349ه، وعمل ضمن مجموعة من رجالات الدولة في نطاق قبائل الحكامية بمركز المضايا، متنقلًا بين المضايا وصامطة خلال الفترة من 1351ه إلى 1369ه، وهي البيئة التي تشكّلت فيها ملامح نشأة ابنه محمد الأولى. التعليم والبدايات وُلد محمد الدريبي في بلدة المضايا، وهو المولود الرابع في أسرته. تلقّى تعليمه الأولي في مطلع الستينيات الميلادية على يد فقيه القرية الشيخ يحيى بن علي حكمي، حيث تعلّم القراءة والكتابة على الألواح الخشبية. وقد وصف لاحقًا بلدة المضايا بأنها بلدة قديمة ذات موقع تجاري مهم على طرق القوافل والحج. انتقل بعد ذلك إلى صامطة، وواصل تعليمه في المدرسة السلفية الأولى، ودرس على عدد من علماء المنطقة، من أبرزهم: الشيخ محمد سراج مباركي، والشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، والشيخ ناصر خلوفة، والشيخ عبد الله القرعاوي. وفي أواخر عام 1371ه انتقلت أسرته إلى مدينة جازان بعد نقل والده من إمارة بني مالك. التعليم النظامي والجامعي بدأ تعليمه النظامي في المدرسة العزيزية الابتدائية بمدينة جازان عام 1372ه، وتأثر بعدد من معلميه، وكان للمعلم عبد الحميد ضو البيت دورٌ في تنمية مهاراته في القراءة والإلقاء. التحق مبكرًا بالعمل في محكمة جازان، الأمر الذي حال دون انتظامه الكامل في الدراسة، غير أنه واصل تعليمه عن طريق الانتساب حتى أنهى المرحلة الثانوية عام 1390ه. واصل دراسته الجامعية، وتخرّج في كلية الآداب – قسم التاريخ عام 1396ه، ليجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية المبكرة. النشاط الصحفي يُعد محمد الدريبي من أوائل من أسهموا في التجارب الصحفية المنظمة بمنطقة جازان. ففي أواخر السبعينيات الهجرية، وأثناء دراسته في المرحلة المتوسطة، شارك مع زميله هاشم عبده هاشم في تأسيس صحيفة مدرسية أسبوعية حملت اسم «الفجر الجديد»، عُنيت بالقضايا الاجتماعية المحلية وأخبار المدرسة والموضوعات الفكرية والأدبية، حيث تولّى هاشم عبده هاشم رئاسة التحرير، فيما شغل الدريبي منصب نائب رئيس التحرير. لاحقًا، واصل نشاطه الصحفي من خلال مشاركته في تحرير صفحة الجنوب بجريدة الندوة، التي تحولت لاحقًا إلى مجلة الرائد، في مرحلة اتسمت بالعمل عبر المراسلات البريدية والاعتماد على الآلة الكاتبة. وفي عام 1417ه تولّى رئاسة مكتب جريدة عكاظ في منطقة جازان، واستمر في هذا المنصب أربع سنوات، قدّم خلالها تغطيات إعلامية لقضايا المنطقة التنموية والاجتماعية، وأسهم في نقل صوت جازان إلى المنصات الإعلامية الوطنية. العمل المؤسسي والاجتماعي عُيّن عضوًا في مجلس المنطقة بطلب من أمير جازان الأمير محمد بن تركي السديري، كما تولّى إدارة جمعية جازان الخيرية، وأسهم في تطويرها إداريًا وتنظيميًا، وتحسين آليات العمل الخيري. وكان من أصحاب فكرة الاستفادة من تجربة الإسكان الخيري، التي طُبّقت لاحقًا عبر جمعية الأمير محمد بن ناصر للإسكان الخيري. الاهتمامات الفكرية والثقافية عُرف محمد الدريبي بشغفه بالقراءة والبحث والتوثيق، ودوّن في كتاباته ملاحظاته حول علاقة الدولة السعودية بالعلم والمعرفة، وأهمية التعليم والإعلام في بناء الوعي الثقافي والاجتماعي، ودورهما في تشكيل المجتمع المحلي. المؤلفات • صفحات من حياتي: سيرة ذاتية وثّق فيها تجربته التعليمية والوظيفية والصحفية، ومشاهداته حول التعليم والصحافة والحراك الثقافي في منطقة جازان. • بقية من حنين: ديوان شعري، صدر عام 1443ه.