-الرأى - رؤى مصطفى- الرياض : في تجربة ثقافية تنطلق من الطفل بوصفه منتجًا للمعنى لا متلقي له، جاءت فعالية ( أنا أحكي)بوصفها مبادرة أدبية نوعية نظمها الشريك الأدبي بالتعاون مع جمعية أطفال طيبة بالمدينة المنورة، واحتضنها نادي النَِّوَى ضمن مساعيه المتواصلة لنشر الثقافة الأدبية وتعزيز حضورها في البيئات المجتمعية المختلفة. وتجسد هذه الفعالية نموذجًا للتكامل الثقافي بين الأندية الأدبية والجمعيات المجتمعية، بما يسهل وصول الأدب إلى الطفل والأسرة، ويعيد للحكاية موقعها بوصفها مساحة مشتركة للتعبير والتخيّل وبناء الهوية منذ المراحل الأولى. من الحكاية بوصفها فكرة… إلى الحكاية بوصفها ممارسة أدارت الفعالية أ.د. أمل التميمي، التي قدمت في مستهل اللقاء تعريفًا بدور الشريك الأدبي ونادي النوى في تمكين المبادرات الأدبية وتوسيع نطاق أثرها داخل المجتمع، مؤكدة أن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ من الطفولة، حين تُمنح الكلمة مساحتها الطبيعية في حياة الطفل. كما ثمنت التميمي تعاون جمعية أطفال طيبة، ممثّلة بالأستاذة سارة الحيدري، والأستاذة غفران الزراري، والأستاذة رغد، وأعضاء الجمعية كافة، لدورهم في تهيئة البيئة الداعمة للأطفال وأسرهم، بما أسهم في نجاح التجربة وتحقيق أهدافها التربوية والثقافية. وانتقلت التميمي إلى تأصيل مبسط لمفهوم السرد، موجّه للطفل وأسرته معًا، موضحة أن الحكاية تنطلق من عناصر قريبة من عالم الطفل شي محسوس، شعور يتكون،حدث بسيط، ثم نهاية تمنح الطمأنينة. وقد جرى توزيع أوراق الحكي على الأطفال وأولياء أمورهم، في تأكيد رمزي على أن الأدب تجربة تُعاش جماعيًا، وأن الأسرة شريك أساسي في بناء ثقة الطفل بصوته. حين يتحول المحسوس إلى حكاية تولت مناير الخراز الجانب التطبيقي، وقدمت نموذجًا سرديًا قصيرًا بعنوان (الزر الأزرق )جسدت من خلاله كيف يمكن لعنصر صغير من الواقع أن يتحوّل إلى حكاية ذات أثر. وشكل هذا النموذج لحظة تعليمية حية رأى خلالها الأطفال القصة وهي تتشكّل أمامهم، قبل أن يبدأوا بمحاكاة التجربة بأساليبهم الخاصة. ثم انتقل الأطفال إلى التطبيق العملي، من اختيار الأشياء، إلى تركيب الفكرة، فالحديث الشفهي باستخدام مكبر الصوت، في مسار تعليمي قائم على الممارسة لا التلقين، عزز شعور الطفل بأن صوته مسموع وجدير بالإنصات. أصوات صغيرة… وثقة تتكون قدمت(أنا أحكي) تجربة أدبية تفاعلية خاطبت أطفال الروضة والمرحلة الابتدائية بلغة قريبة من عالمهم، أتاحت لهم التعبير عبر الحكي والرسم واختيار الرموز وتحويلها إلى حكايات قصيرة تنبع من خيالهم وتجربتهم اليومية، في بيئة آمنة تحتفي بالمحاولة الأولى أكثر من النتيجة. وبرز خلال الفعالية عدد من الأطفال الذين عبروا عن أنفسهم بثقة ووضوح، من بينهم: ناصر أحمد الوهبي، عبد الهادي التركي، مريام عبد العزيز التركي، محمد، وسن أحمد الردادي، نجد عبد الواحد التميمي، حسام الحربي، تميم، وعبد الإله بن مروان. وفي مشهد لافت، شارك الطفل عبد العزيز (4 سنوات) بالحكي أمام الحضور، ممسكًا مكبر الصوت بثقة عفوية، في صورة تختصر أثر البيئة المشجعة وقدرتها على احتضان الطفل في مختلف مراحله العمرية. الثقة بوصفها قيمة ثقافية اكتملت التجربة بمنظومة دعم نفسي وتربوي، شارك فيها الكبار بوعي، حيث جرى مساعدة الأطفال على ارتداء بطاقات تعريف تحمل أسماءهم، في محاكاة رمزية لمشاركات المؤتمرات الثقافية، بما يعزز شعور الطفل بهويته وحضوره. كما جرى تكريمهم ب تاج التفوق رمزًا للجرأة والمشاركة، وهو ما انعكس على أدائهم وثباتهم أثناء الحكي. شهادات تؤكد الأثر أشاد المعلم أحمد الردادي بدور الشريك الأدبي في إتاحة مشاركة الأسرة في اكتشاف مواهب أبنائها، مؤكدًا أن الحكاية حين تُعاش داخل الأسرة تتحول إلى ذاكرة تربوية مشتركة. كما أكدت التربوية الأستاذة فاطمة التميمي أهمية هذه المبادرات في اكتشاف المواهب المبكرة، وتهيئة بيئة آمنة للتعبير بعيدًا عن الخوف أو التقييم القاسي. ومن زاوية الأسرة، عبرت هنادي القحطاني عن سعادتها برؤية أبنائها يمارسون الحكي بثقة، مشيدة بالأدوات المحسوسة التي قدّمها نادي النوى، ودورها في إشعال خيال الطفل وربطه بعالم الحكاية. حكاية تتسع تؤكد فعالية(أنا أحكي) أهمية الحراك الثقافي الذي تقوده الأندية الأدبية بدعم الشريك الأدبي في بذر الإبداع في طفولة السعودية، وترسيخ القيم الثقافية بوصفها ممارسة يومية تبدأ من الكلمة الأولى. ويواصل نادي النوى من خلال هذه المبادرات توسيع دوائر الأدب، انسجامًا مع رؤية وزارة الثقافة وتطلعات المملكة نحو مجتمع يقدر الإبداع ويحتفي بالحكاية منذ بداياتها الأولى.