زرت جازان مؤخراً، وبعكس الفيافي والقفار فجازان خصبة التربة ولها حكاية قديمة ليس فقط مع الزراعة بل مع الحضارة وتاريخها حافل بالأحداث بين سهلها وجبلها. والزراعة في جازان تخرجك مما هو مألوف وسائد من حيازات صغيرة، إلى بقعة زراعية ممتدة تبلغ مساحتها نحو 2.088.608 دونمات، تزرع فيها محاصيل الخضار من طماطم وباذنجان وفلفل وخيار وشمام وبطيخ وقرع وبامية والخضراوات الورقية كالملوخية والفجل والجرجير. لكن للزراعة هناك جانبا آخر بعيدا عن النخيل وتمورها إلى المحاصيل غالية الثمن مثل المانجو والتين فهما يصدران لبقية مناطق المملكة وللخارج. وقد أصبحت مانجو جازان في المتناول بفضل جهود أبنائها، ومنها موقع على الانترنت لبيعها وتسهيل إيصالها لمن يرغب، قام عليه أحد الرياديين من أبناء جازان. وعموماً، ففيما يتصل بالزراعة فلصندوق التنمية الزراعية مبادرات عديدة يعمل على إقرارها وتنفيذها، ولا أدري إن كانت إحداها تتصل بالمحاصيل ذات القيمة المضافة بما يمكن من تطويرها بالانتقال إلى التصنيع الزراعي والتسويق، إذ يبدو أن جازان تمثل فرصة لتحقيق ذلك، فمحاصيلها الزراعية استوائية، وقد أنتجت في العام الماضي (2013) نحو 27.800 طن من المانجو و3.000 طن من التين و1.500 طن من الجوافة و2.300 طن من البابايا و11.500 طن من الموز، إذاً نحن نتحدث عن واقع بوسعنا تطويره لمنتجات نستوردها بكثرة ونقبل عليها بحماس. وبالإضافة إلى الزراعة، فقد طال الحديث عن أهمية اغتنام مزايا جازان للمساهمة في تنميتها اجتماعياً واقتصادياً، وفي نفس الوقت الاسهام في تنويع الاقتصاد الوطني بما يحفز نموه؛ فموقع جازان الجغرافي يجعلها نقطة ملائمة لوصول الصادرات السعودية للمناطق المجاورة بما في ذلك أفريقيا عموماً والقرن الأفريقي على وجه الخصوص، كما أن الكثافة السكانية العالية نسبياً (1.6 مليون نسمة) توفر موارد بشرية للأنشطة الاقتصادية المستجدة، وخصوصاً في قطاع الصناعة التحويلية وما يرتبط بها من أنشطة خدمية للمصانع والعاملين فيها. والصناعة في جازان ما زالت في بداياتها الأولى، وفيها مدينة صناعية حديثة نسبياً، تستقطب استثمارات خاصة، كما أن في جازان مصنعا للصلب وآخر تابعا لشركة كريستال. ويمكن القول إن الانطلاقة الصناعية الرئيسية قادمة مع انطلاق المدينة الاقتصادية بجازان، التي كَلف الملك –يرعاه الله- أرامكو السعودية بتنفيذها، وتضم مصفاة لتكرير منتجات النفط بما يتيح فرص صناعية تستخدم المشتقات كلقيم، وبذلك تستقطب المستثمرين وتنمي الصادرات وتوفر فرص عملٍ قَيّمة لأبناء جازان. لكن ما استرعى اهتمامي هو القهوة، فقد سمعت عنها أول مرة قبل (ديسمبر 2013) عندما نُظِمَ مهرجانٌ للبن في محافظة الداير بجازان، فجبال المنطقة تحوي أكثر من 70 ألف شجرة بُنّ تنتج قرابة 500 طن سنوياً، ويعتبر البن الخولانيّ من أجود أنواع البن في العالم، لكن كمياته –كما يلاحظ- محدودة، ولا يبدو أنها مصنفة ضمن الأنواع المتداولة عالمياً. السؤال: لماذا لا نطور الإنتاج من البن الخولاني حتى يكثر فيصبح حلم المقاهي، تتنافس لتقديمه لروادها، بل ومن يدري فقد يصبح الإنتاج منه غزيراً فيضم هذا الصنف من القهوة ويتداول في بورصات السلع العالمية. الأمر بحاجة لتدبر وتطوير والكثير من الريادة. وقد يكون هناك موانع يبينها لنا العارفون والمختصون، لكن هي فرصة تستحق بذل الجهد على أكثر من صعيد، وليس أقلها ترويج استخدام البن الخولاني والتعريف به محلياً وخليجياً. * متخصص في المعلوماتية والإنتاج