القيادة هي رأس الهرم لأي هيكل تنظيمي إداري أو حياتي لأي مجموعة ارتأت لها أسلوبا تنظيميا يحكمها وينظم شؤونها. والقيادة تعني أو أهم أحد معانيها.. الإمساك بزمام المنظومة وصنع القرار. من هنا تكتسب هذه الدرجة الرفيعة عند السواد الأعظم من البشر مكانة عظيمة، لتصبح عندهم منتهى الغايات ونهاية الأحلام. والطموح وقود سحري لماكينة الفعل البشري، فبه يصبح المجهولون أعلاما والمستضعفون أسيادا. كثيرة هي النماذج الإنسانية التي تسلحت بالطموح ليكون وسيلتها للوصول والتمكين، وبالطموح سطر التاريخ لنا نماذج مضيئة وأخرى مظلمة، لأسماء علت، وأخرى تسلقت، فوصل كلا الفريقين إلى مراكز القرار وصنعه والتحكم فيه، ليصبحوا القادة في منظوماتهم تلك، منهم من خلده التاريخ عظيما، ومنهم من لفظه إلى مزابله. على مستوى المنظومات البسيطة (الإدارية مثلا).. يصنع الطموح الشخصي والأنا المغموسة فى الذات نماذج لقيادات إدارية سخرت ملكاتها وقدراتها لخدمة مشروعها الشخصي، المنطلق من أنا زائفة موغلة في الأنانية وتضخيم الذات. هؤلاء يتسلحون بفهم دقيق لطبائع ونفسيات العاملين معهم، ولطبيعة تلك المنظومات وما تقتضيه من أساليب عملية للوصول والتنفذ. يملك هذا النوع من الطامحين قدرات تعبيرية كبيرة، وهامشا أكبر للمناورة والمراوغة كرا، وفرا ، إقبالا وإدبارا (كحصان امرؤ القيس فى معلقته الشهيرة)، يبني كل قرارته على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، في صورة جديدة وإصدار حديث لميكافيلية موغلة في الأنا وظلماتها السحيقة. يملك الكثير من هؤلاء الطموحين كاريزما القيادة، ووسائل التأثير التي تجعلهم يستنسخون أجيالا مكررة من الأتباع يأتمرون بأمرهم وينتهون بنهيهم. الترغيب والترهيب إحدى وسائلهم للتنفذ والتمكن، ولكنه مؤطر بأنا زائفة ومقيتة، يعيدون من خلالها صياغة كثير من المفاهيم الفاضلة وإعادة تدويرها لتصبح غايتها تتوافق وأهداف وأطماع أولئك الطامحين. أما أنجع القيادات فهي القيادة التي تتشرب إيمانا كبيرا بفكرة محددة، يتمحور الجميع حولها وتكون تلك الفكرة هي الوعاء الذي يحتوي الجميع، لتكون مرجعيتهم الحياتية والتنظيمية، وهنا تسقط الأطماع الشخصية والطموحات الفردية ويصبح الجميع مخلصين للفكرة، قادة فى مواقعهم، مهما كان تسلسلهم الرتبي، فهم شركاء فى النجاح والمسؤولية وإدارة العمل. وهنا تسقط الأنا وتغيب الطموحات الشخصية ويحل الإخلاص للمبدأ وللفكرة أساسا للعمل لتصبح القيادة عند المخلصين فارقة متميزة.. كيف لا وهي تظل في عرفهم وسيلة تخدم غاية وهي الفكرة، بينما هي عند الطامحين منتهى الغاية التي ينشدونها، وهنا يكمن الفرق بين القيادتين.