اجتماعان تمهيديان في البيت الأبيض والخارجية الأمريكية على طريق التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. دونالد ترمب يكرر قبلهما وبعدهما دعوته إلى لقاء بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، متجاهلا ما سمعه من وسطاء ومستشارين أن الظروف لم تنضج بعد للقاء كهذا، وأن لبنان حدد للتفاوض هدفا هو إنهاء الحرب وحل المعضلات التي خلفتها. أما بنيامين نتنياهو فيعتبر أن مسارا لتحقيق «سلام تاريخي» بين إسرائيل ولبنان قد بدأ، ويضعه في سياق هدف «تغيير الشرق الأوسط» الذي يسعى إليه. ومع أن ترمب ونتنياهو وظفا موافقتهما على التفاوض ل«الفصل بين لبنانوإيران»، إلا أن قفزهما إلى «اتفاق سلام» كنتيجة نهائية ينطوي على حرق للمراحل وتخط لأطنان من التفاصيل، كما أنه يهمش الأبعاد الإقليمية والجيوسياسية لهذا «السلام» المنشود، ولا يقيم وزنا لتداعياته على الداخل اللبناني. يستند الاندفاع الأمريكي والإسرائيلي إلى التفوق العسكري لفرض شروط المنتصر وتطبيق مصطلح «السلام بالقوة»، من دون أي اعتبار لما يخلفه من انعكاسات على المنطقة التي لا ترى أمريكا وإسرائيل بالمنظار نفسه، على الرغم من أن التواطؤ بينهما لم يبلور حتى الآن أي «نموذج سلمي» حقيقي: ففي قطاع غزة يواصل نتنياهو تخريب ما احتفل ترمب بتحقيقه قبل أكثر من ستة شهور، ولا تزال «خطته» تتلكأ فيما تستغل إسرائيل عامل الزمن لاستثمار مفاعيل التجويع والإبادة ضد الفلسطينيين. وفي سوريا التي تخلصت من وجود إيران و«حزبها»، بنت واشنطن مصالح أمنية مع النظام الجديد، خصوصا في مكافحة إرهاب «داعش»، وأخذت في الاعتبار الاحتضان العربي والإقليمي له فلم تشترط عليه توقيع «اتفاق سلام» مع إسرائيل، بل اضطرت لممارسة أقصى الضغط كي توقف إسرائيل تدخلاتها واعتداءاتها وتتفاوض مع دمشق، لكنها أخفقت في إقناعها بقبول اتفاق «عدم اعتداء» أو أي اتفاقات أمنية يُفترض أن تتضمن انسحابا إسرائيليا من أراض سورية خارج الجولان المحتل. ماذا عن لبنان؟ من الواضح أن أمريكا وإسرائيل، كذلك إيران و«حزبها»، تتعامل مع لبنان انطلاقا من أنها أسهمت جميعا في إضعافه بطرق مباشرة وغير مباشرة. ومع أن الحكم اللبناني طلب التفاوض المباشر، إلا أن الإلحاح على لقاء الرئيس جوزف عون مع نتنياهو تخطى الاستضعاف إلى الاستفراد بلبنان وفرض «السلام بالقوة» عليه، وسط تهديدات جدية في الكونغرس بوقف المساعدات للجيش اللبناني إذا لم يبادر إلى نزع سلاح «حزب إيران». ويحاول الحكم اللبناني التملص من أي ضغوط باستدعاء التزامه «المبادرة العربية للسلام». وهذا ما أعاد السعودية إلى ممارسة دور توفيقي داخل لبنان، خصوصا أن الرياض تُشهر أيضا تلك «المبادرة» للتذكير بما يتوجب على إسرائيل حيال فلسطين قبل أن تستحق «التطبيع» معها. لكن هذه المبادرة، التي استوحتها مبادرات عربية ودولية لاحقا، فقدت زخمها أولا بسبب الرفض الفعلي لها إسرائيليا وأمريكيا، وتاليا بفعل الحروب التي أعقبتها طوال ربع قرن مضى منذ اعتمدتها القمة العربية في بيروت عام 2002. يمكن للمواكبة السعودية للمفاوضات اللبنانية أن تكون مؤثرة في واشنطن، لكن أصبح من الملح تفعيل التفاهم الإقليمي (السعودية ومصر وتركيا وباكستان) لرعاية مصالح لبنان وغيره من دول المنطقة في مواجهة خيارات ترمبية لا تبدو مدروسة أو واقعية، وبالأخص لعقلنة ترتيبات المرحلة الإقليمية المقبلة وعدم تركها لنزوات نتنياهو وعصابته، أو لمشروع إيراني لم تعد طهران قادرة على تحقيقه بمجرد الاعتماد على ترسانات أسلحة سلمتها إلى ميليشيات خارج الدولة. ولعل ما يحتم على الرباعي العربي- الإسلامي تزخيم دوره أن توجهاته تحظى بقبول دولي واسع، ولا تشكل أي تحد لأمريكا- ترمب، لكنها مدعوة إلى تحرك عاجل لمنع الاستفراد بلبنان. فالمقاربة الحالية للبنان، كما تبدو في اجتماعات واشنطن، لا تنبئ بأن «السلام» هدف حقيقي، بل مجرد إفراز للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران. أقصى ما أمكن تحقيقه، حتى الآن، هو وقف -غير فعلي- لإطلاق النار في جنوبلبنان. لا التزام من جانب إسرائيل، ولا من جانب إيران و«حزبها». لم يمر يوم في هدنة ال10 أيام من دون ضحايا ودمار، وهي حال لن تتغير في أسابيع التمديد الثلاثة، لأن ترمب الذي أعلن الهدنة ألغى مفاعيلها إذ ربطها باستمرار إسرائيل في مزاولة «حق الدفاع عن النفس». وبالتالي غدا الانتهاك الدائم للهدنة وصفة لمفاوضات بالغة الصعوبة: أولا، لأنها ستُجرى بتجاهل تام لشرط لبنان أن تبدأ مع وقف ثابت لإطلاق النار. وثانيا، لأن استجابة المطالب اللبنانية مرتبطة بتقدم الدولة في نزع سلاح «الحزب». وثالثا، لأن ترمب كما نتنياهو يتعجلان التوصل إلى «اتفاق سلام» رغم أن لا مقدمات ولا معطيات تشير إلى أن الظروف مهيأة لإبرامه، سواء بسبب معضلة «سلاح الحزب» والإشكاليات التي يثيرها في الداخل، أو لأن الشروط الإسرائيلية (- الأمريكية) ليست مساعدة الآن ولن تكون لاحقا. *ينشر بالتزامن مع موقع النهار العربي