كانت مجرد صباح الخير. لا أكثر ولا أقل. عبارة قصيرة لا تحتمل التأويل... أو هكذا كنت أظن. قلتُها لزميلي في العمل: أحمد العوضي. وقبل أن يقفز الاسم إلى ذهنك مصحوبًا بصورة ممثل مصري مشهور وحضور درامي لا يخطئه أحد، أستأذنك أن تمحو هذه الصورة سريعًا. هذا أحمد آخر، أقل شهرة، أكثر واقعية، يشبه أولئك الذين لا يعرفهم أحد خارج مكاتبهم، لكنهم يحملون على أكتافهم أيامًا طويلة من العمل الصامت. تأخر قليلًا قبل أن يجيب. قالها بنبرة متحفظة: صباح... النور. ثم نظر. ولم تكن النظرة قاسية، بل مألوفة إلى حد مؤلم. نظرة تقول: أنا مرهق... فكن واضحًا إن كنت تريد شيئًا. ابتسمتُ في حرج. والحقيقة - التي لا فائدة من إنكارها - أنني كنت أريده فعلًا لأمر ما. لكن تلك النظرة المرهقة والمتحفظة جعلتني أتراجع خطوة وأقول بسرعة كمن يرفع الراية البيضاء: صباح الخير... مجرد صباح الخير... لا داعي للقلق. في تلك اللحظة، أدركت أن التحية لم تعد بريئة. لا أعرف متى فقدنا الثقة في الكلمات البسيطة. متى صارت الجملة القصيرة تحتاج إلى تفسير مطوّل؟ متى أصبح السلام بين البشر مشروعًا مؤجلًا، يُنظر إليه بعين الشك حتى يثبت خلوّه من الأغراض؟ ربما لأننا تعلّمنا - بمرور الوقت - أن العلاقات لا تقوم إلا على المصلحة. فكرة واقعية، براغماتية، لا تخلو من منطق. لكنها حين تتحول إلى عدسة وحيدة نرى بها العالم، تُفقدنا القدرة على رؤية التفاصيل الصغيرة...مثل تحية في ممر. كلمة مصلحة نفسها كلمة غير محبوبة. تبدو كأنها اعتراف ضمني بالأنانية. لكنها، إذا نُزعت عنها الأحكام السريعة، أوسع مما نتصور. المصلحة قد تكون مالًا أو خدمة، نعم. لكنها قد تكون أيضًا أمانًا نفسيًا، أو اعترافًا غير معلن، أو شعورًا داخليًا بأن هناك من يراك. نحن لا نقترب من الآخرين صدفة. نتعارف لأننا مختلفون، ونختلف لأننا خُلقنا كذلك. ولولا هذا الاختلاف، لما كان هناك معنى للتلاقي أصلًا. منذ أن عرف الإنسان العيش في جماعة، وهو يبحث عن قواسم مشتركة: أرض تجمعه، لغة يفهمها، قصة يرويها عن نفسه وعن الآخرين. وكانت هناك دائمًا مصلحة ما، حتى لو كانت مصلحة في البقاء، أو في تقليل الخوف، أو في ألا يواجه العالم وحده. البراغماتية تنظر إلى كل ذلك وتقول بهدوء: هذا طبيعي. كل علاقة لها دافع، وكل دافع له نفع. حتى المحبة قد تكون رغبة في الطمأنينة، وحتى الخير قد يكون محاولة لفهم الذات. وأنا لا أجادل هذا كثيرًا. لكنني أتوقف عند شيء واحد: هل يعني هذا أن نشك في كل شيء؟ أن نضع نوايا الآخرين تحت المجهر قبل أن نبادلهم السلام؟ المشكلة ليست في وجود المصلحة، بل في تحويلها إلى تهمة جاهزة. في أن نفترض الأسوأ، وننسى أن بعض الأشياء تبدأ بلا سبب واضح... ثم تكتسب معناها لاحقًا. لذلك، حين تقول صباح الخير اليوم، قد لا تكون تحية... قد تكون محاولة خجولة لتقول: أنا هنا... ولم آتِ لآخذ شيئًا. ربما لا يصدقك أحد. وربما تُقابل بابتسامة متحفّظة. وربما تضطر - مثلما فعلتُ أنا - أن تعتذر عن التحية نفسها. ويبقى السؤال معلّقًا، ثقيلًا، بلا إجابة واضحة: هل تغيّر البشر؟ أم أننا فقط... تعبنا إلى الحد الذي لم نعد فيه نثق حتى في صباح الخير؟