قبل فترة قصيرة، وصلني عبر منصات التواصل الاجتماعي مقطع مرئي قصير، يحمل عنوانًا لافتًا: «منزل يرفض السقوط رغم هدم الأساسات». يظهر في المقطع مبنى قديم، أُزيل جزء كبير من طابقه الأرضي، بينما ظل الدور العلوي معلّقًا في الهواء... صامدًا، متحديًا قوانين المنطق والجاذبية. وبدهشة صادقة يقول المصوّر: «أشهد أن به صَبّة!»، فيما جاء نص آخر على المقطع: «شغل الثمانينات». البيت لم يصمد للونه، ولا لأبوابه ونوافذه، ولا لديكوراته، ولا حتى لتصميمه العصري، بل لأنه بُني كما يجب، ومع مرور الزمن، يظهر الفرق بين «المهم والأهم». هذا المشهد أعاد إلى ذهني موقفًا في المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD) في سويسرا. كنّا – كدفعة دراسات عليا – نتساءل باستغراب: لماذا لا يشترط المعهد اجتياز اختبار اللغة الإنجليزية (TOEFL) للقبول، ويكتفي بالمقابلة الشخصية فقط؟ وفي إحدى محاضرات القيادة التنفيذية وبناء الفرق، قال لنا البروفسور المحاضر، وعميد المعهد آنذاك - ستيفان ميشيل: «نحن لا نبحث عن متحدثين مثاليين للغة الإنجليزية، بل نبحث عن أشخاص يملكون خبرة حقيقية يشاركونها. الطلاقة ميزة... لكنها ليست أساسًا»، ثم أضاف مبتسمًا: «نريد من يُضيف... لا من يُبهر لغويًا فقط». الأساس هو الثابت الذي يظهر مع مرور الزمن، وكل ما عداه متغيِّر، فنحن في الغالب ننجذب إلى الظاهر: اللغة، الشهادات، المظهر، المهارة، الإلقاء، المنصب، الواجهة الاجتماعية... وننسى أن ما يُبقي الإنسان صلبًا عند التحديات ليست تلك المهارات، وإنما بما يملك من مبادئ وأسس. بالتأكيد لكل علم، وكل مهنة، وكل جانب من جوانب الحياة، هناك أساسيات لا غنى عنها. ولكنها ليست نفسها تلك التي تكوّن «شخصية الإنسان». مرحلة البناء الحقيقي تبدأ من الطفولة: من التربية، من الأصول، من البيت الأول، من القيم التي تُغرس قبل أن تُدرَّس: الانضباط، المسؤولية، الاجتهاد، الصدق، الأمانة، الاحترام، الحزم، الشجاعة، الثبات، الوفاء، العدل، الكرم، فن التواصل، التعاون، الطموح... وغيرها. هذه ليست قيم أو صفات تجميلية، بل قواعد بناء، أما المهارات، الشهادات، اللغات، التقنيات، وحتى الذكاء الاصطناعي؛ فهي كالطلاء، والنوافذ، والتصاميم الحديثة؛ جميلة ومهمة، لكنها بلا قيمة إن لم تجد ما تستند عليه. ومن واقع الخبرة في إدارة المشاريع وبناء الفرق، يتأكد لي في كل مرة أن أهم معيار في اختيار القادة والأفراد ليس ما يعرفونه، بل: من يكونون؟! فالمهارة يمكن تعلُّمها، والخبرة يمكن اكتسابها، والمعرفة يمكن نقلها، لكن الصدق لا يُزرع في ورشة عمل، والانضباط لا يُمنح في دورة تدريبية، والأمانة لا تُشترى برخصة أو شهادة. وإن ضاقت الخيارات... فاختر صاحب التربية الصالحة والقيم الرفيعة، لأن من بُني على أُسس، يَسهُل تطويره بخلاف غيره الذي لا تنفع معه الزينة. وحين ننظر إلى الكيانات العريقة أو حتى تلك المؤسسات والمتاجر البسيطة، والمنظومات الناجحة، وإلى الشخصيات التي أثّرت في حياتنا أو غيّرت مجتمعاتها وصنعت فرقًا حقيقيًا، سنجد اختلافًا في التعليم، والفرص، والبيئة، والموهبة، لكننا سنجد بينهم جميعًا قاسمًا مشتركًا واحدًا: الأساس والثوابت. وحتى تلك المنظومات البسيطة، وأيضًا الآباء والأجداد الذين لم يتعلموا، ولم تلمع أسماؤهم، ولم يمتلكوا أدوات العصر؛ كانوا صلبين من الداخل، ثابتين عند الشدائد، واضحين في القيم، راسخين في المبادئ، فرسخوا في ذاكرتنا تمامًا كالبيت القديم. قد نتعب في التأسيس، ونعاني في البناء، ونتأخر في رؤية النتائج، لكننا حتمًا لن نندم، لأن من بُني صحيحًا من البداية، سيقف حين يسقط غيره، وسيصمد حين تتهاوى الواجهات، وسيبقى حين تنكسر الزخارف.