عن قناعة لا تقبل النقاش، ولا تحتاج طرحها للحوار مع شخص مخالف؛ لأخذ رأيه لما سوف أكتبه في هذا المقال، بعد أن بلغت من العمر مراحل النضج العقلي، قراءةً وتجارب، أجزم بأن أعلى مراتب الكرم هو الكرم المعرفي لمن يهدي لك المعرفة، ويجعلها سهلة ميسرة، سواء بإهداء الكتب من أشخاص، أو تخفيضها بسعر رمزي، أو توفيرها لك إن كانت غير متوافرة من بعض المكتبات. كان الكرم قديمًا يتوقف على ما يقدم لضيف، أو صاحب الحاجة، وكان الناس يعرفون الرجال الكرماء، وتعرف منازلهم ومجالسهم، ويسأل عنهم الضيف بالاسم، ولهم حظوة عند العامة والخاصة، وليس الكرم مرتبط بصاحب المال؛ لأنه معظم الكرماء والوجهاء ليسوا من أصحاب الأموال الطائلة، فأغلب الكرماء من ميسوري الحال، ولكن عدم توافر المال لديهم لم يكن حاجزًا لهم عن فعل الكرم، فكان الناس الغرباء يقصدون منازل الكرماء، سواء في الحاضرة أو البادية؛ لأن الناس في الزمن الماضي يحتاجون لبعضهم البعض؛ لأنهم لا يجدون من يستضيفهم أو يأويهم قبل انتشار الفنادق والشقق المفروشة في الزمن الحاضر، ورغد العيش الذي نعيشه في هذا الزمن. ومع ثورة المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي زاد عدد الكرم المزيف، الذي يسعى من خلاله صاحبه للظهور والوصول لشريحة كبيرة من المجتمع، فأصبحت المناسبات العامة -باستثناء الزواجات- الهدف منها التصوير، وإبراز المجالس التي بنيت حديثًا، فأصبحت كلمة «شكرًا على حسن الاسقبال وكرم الضيافة» الأكثر شيوعًا، ومن كثرة ما نسمعها ونشاهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت كلمة مبتذلة ومستهلكة لدى الجميع، فأصبح صاحب المناسبة يرسل مناسبته إلى جميع المنصات الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي للوصول لأكبر شريحة من المتابعين، وأصبح البعض يضيف لاسمة ألقابًا هو بعيد كل البعد عنها، فنسمع البعض يطلق على نفسه لقب «رجل أعمال»، فرجال الأعمال الحقيقيين المُشاهدة أعمالهم وجهودهم على أرض الواقع، يرفضون هذا الألقاب والمسميات؛ لأن أفعالهم تشهد على ذلك، فليسوا بحاجة إلى هذا اللقب وذاك. والبعض الآخر يطلق على نفسه الوجيه، لأنه يعتقد أن الوجاهة كثرة المناسبات التي يقيمها في منزله، وهذا مفهوم خاطئ للوجاهة، فمعيار الوجاهة الحقيقي هو ما يقدمه الوجيه لمجتمعه ومحيطه، من دعم الجمعيات الخيرية عبر المنصات الرسمية المتاحة، أو بناء المساجد والمدارس والمستشفيات على حسابه الخاص.. هنا يستحق لقب وجيه، وهذه هي الوجاهة الحقيقية. للأسف التلاعب بالألفاظ يجعلها تستخدم في سياقها غير الصحيح، وهناك أشخاص يطلقون على أنفسهم لقب الإعلامي، وهو - للأسف - لا يعرف من الإعلام إلا مسمى الإعلام، لم ينتسب لأي صحيفة أو إذاعة أو تليفزيون، ولم يمارس العمل الإعلامي في حياته، سواء كتابة خبر أو تقرير أو تحقيق أو مقال. سأعود من حيث بدأت .. من الأشياء التي أكرمني الله بها منذ الصغر حب القراءة، والبحث عما هو جديد في عالم الكتب؛ لأن زهدي في المجالس العامة والمناسبات التي لا تعود علي بالفائدة أعطاني الكثير من الوقت، وجعلت وقتي ملكًا لي، لا يذهب هدرًا بأشياء لا قيمة لها، وبحوارات عقيمة. كنت حريصًا على زيارة المكتبات في أي مكان أذهب إليه، سواء في السعودية أو خارج السعودية، ودائمًا أبحث عن الكتب والإصدارات الجديدة، سواء في الشعر أو الرواية، وكذلك الفلسفة والسير، ونحوها من الكتب، وكانت العلاقات مع موظفي المكتبات علاقات تواصل دائمة ومستمرة، ما لفت انتباهي أن مالك إحدى المكتبات الكبيرة والمعروفة في مدينة بريدة، التي لا يوجد لها فروع أخرى، قابلته عدة مرات في المكتبة، وهو رجل فاضل، وكنت أشتري منه بعض المقررات الجامعية لأولادي، وأصبح بيني وبينه معرفة، وكنت أشتري من المكتبة بعض الكتب والمؤلفات لأطلع عليها شخصيًا، وبعد أن عرف اهتمامي بالقراءة أحيانًا يرفض أخذ مبلغ الكتاب.. وأحيانًا يخفض السعر. قال لي ذات مرة: «خذ ما شئت من الكتب بالشيء الذي ترغبه.. المكتبة مكتبتك»، أنا لست من رجال الأعمال، ولا من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تحدثني نفسي بأن ما يقدمه لي صاحب المكتبة -الرجل الفاضل الكريم- كرم معرفي، الهدف منه التسويق لمكتبته، فصاحب المكتبة بعيد كل البعد عن ذلك، ولكنني أيقنت بأن الكرم لا يرتبط بالمفهوم التقليدي، وما يقدم به من هدر للأموال في الموائد، وإضاعة للوقت، فإهداء الكتب وتخفيضها وإتاحتها للاستعارة من أسمى وأجل مراتب الكرم، لأنه يضيف إليك المعرفة والفائدة، وزيادة المعلومات، ويزيد حصيلتك الثقافية الأدباء والمفكرون والمثقفون كرماء ، من يساعدون الناس على قضاء حوائجهم.. كرماء، من يعالجون الناس من الأطباء.. كرماء، من يبتسمون في وجوه الناس.. كرماء ، من يساعدون الطلاب والطالبات والتيسير عليهم.. كرماء. الكرم لا يختزل في نطاق معين، فالكرم واسع، والكرماء كثيرون.. تحية إجلال وتقدير لكرماء المعرفة، وكرماء الإنسانية، وكرماء الأخلاق والتعامل الراقي.