فيصل الخديدي فنان تشكيلي يبدع في صمت، وهذا شأن المبدع الحقيقي غالباً، وفي «مهرجان الكتاب والقراء» الذي أقامته «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في الطائف (يناير 2026) قدم فيصل بإبداع رؤية بصرية لقراءة كتاب «سيرة من رأى» في إحدى دورات متنزه الردف، من خلال أشكال فنية مستوحاة من فصول الكتاب وتفاصيله والإشارات بين ثناياه، تجمعها رؤية الفنان ويسري فيها نسغ السيرة. تراسل الفنون هو أسلوب يقوم على تداخل واستخدام تقنيات وبُنَى الأنواع الأدبية والفنية المختلفة؛ كالأدب والرسم والموسيقى والرقص والتشكيل لخلق مخرجات جديدة تتميز بالجدة والفرادة والإدهاش، مستفيدة من خصائص النوعين لتنتج نوعاً ثالثاً ليس هو بالأول أو الثاني، وإن كان يقوم على عناصرهما، وكانت هناك تجارب في ثمانينيات القرن الماضي في السعودية حين قام نقاد الأدب بقراءة اللوحات التشكيلية، ومنها قراءتي لمجموعة «أحلامي» الفنية للفنان التشكيلي خليل حسن خليل، والتجربة البصرية لفيصل الخديدي في تحويل بعض نصوص محمد الثبيتي الشعرية إلى نص بصري، وبينهما تجارب عديدة ومتنوعة ورائعة. العمل الذي قدمه فيصل في «مهرجان الكتاب والقراء» هو عرض لكتاب «سيرة من رأى» بأسلوب غير تقليدي أو ليس هو المعتاد في عروض الكتب، ولم يكن عرضاً لفظياً مقروءاً أو مسموعاً، وإنما هو قراءة بصرية للفنان جسدها في أشكال تتقاطع مع النص المكتوب وتوازيه أحياناً وتومئ إلى موضوعاته أحياناً أخرى، في تشكيلات ستاتيكية في بعضها وديناميكية في بعضها الآخر. تكوّن هذا العمل البصري من سبع كتل رئيسية؛ الصلبة منها تراوحت بين المكعبات ومتوازي المستطيلات الشفافة من الأكريليك، ومن الكتل شبه السائلة أو المرنة التي تعطي إيحاء بالانطلاق والحركة المتماوجة التي تحملها وتشكلها حركة الرياح وسريان نهر التاريخ، وكل تشكيل من هذه الكتل السبعة أخذ منطقته في الدوّار المخصص للعمل، ففصل «جدلية الرجل والمرأة والملابس» كانت ثيمات تطريزات ملابس المرأة وأنواع الأشمغة والعقل معلقة في الهواء وتتحرك مع الرياح، وليس جامدة معروضة في الفترينة أو فوق المانيكان، وفي «سيرة المشهد الثقافي» التي تعد المكتبات ظاهرة بارزة فيها جاء التشكيل الحروفي معبراً عنها، أما التيارات الفكرية والأدبية التي كانت تضطرم في أروقة كلية الشريعة بمكة فقد جاء برج الأكريليك الشفاف، وفي داخله تتناثر وتتفاعل قصاصات الأوراق وتتطاير بدفع التيار المخفي في الأسفل، غير أن الإيحاء الأبرز هو أن الحركة المضطرمة والمضطربة أحياناً لهذه التيارات ظلت محصورة داخل كيانها المضلع، ولم تمتد إلى خارجه في ذلك الوقت تحديداً، والتقط الفنان 180 اسماً من الكتاب نثرها في شريط من النسيج الأبيض الممتد والمعلق متحركاً ومتماوجاً بين السكون وخفق الريح، وكأنه نهر الحياة الصاخب الذي احتوى كل هذه الأسماء المنشورة في الشريط دون أي ترتيب منطقي أو شكلي أو جمالي، وهكذا نحن نأتي ونعيش ونرحل من هذه الحياة. بقية الموضوعات حملتها المكعبات المنثورة في تكوينات حسب مناطقها وتحمل على جوانبها صوراً للحياة اليومية ومشاهد لأحداث مسَّها الكتاب، ولجوانب من الموروث الشعبي والسينما ولجمعية الثقافة والفنون بالطائف التي شارك المؤلف في تأسيسها وعلى هرم إدارتها الآن الفنان فيصل، والمنصات التي حملت هذه الأشكال من المكعبات ومتوازيات المستطيل لم تأخذ شكلاً واحداً، وإنما تجاوزت قيمتها الوظيفية إلى قيمة جمالية؛ فتراوحت بين الشكل المربع والدائري والمنحني والحرّ بحسب طبيعة كل منطقة من العمل. الجميل في هذه التجربة البصرية أيضاً أنها لم تنفذ في جناح مغلق أو قاعة محصورة، ولم تكن موجهة للنخبة المثقفة أو للمهتمين بالكتاب فقط، وإنما وضعت في فضائها الحقيقي في «الردّف» تحت الشمس والهواء والغيوم، مفتوحة لكل زوار المهرجان ورواد المتنزه، وهكذا كانت الثقافة بفروعها المختلفة في الطائف.