كنت أظنّ أن التغيير حدثٌ خارجي، وأن الحياة تتحرّك حين تتبدّل الظروف. لكن ما حيّرني طويلًا أن الظروف كانت تتبدّل فعلًا، بينما شيءٌ واحد يصرّ على البقاء: الشعور نفسه. كل مرة أبدأ من نقطة مختلفة، أنتهي إلى الإحساس ذاته، وكأن داخلي يحتفظ بخريطة لا تسمح لي بالخروج عن مسارها. ذات مرة، أغلقت باب فرصة كنت أحتاجها، لا لأن الطريق إليها صعب، بل لأن جملةً قصيرة سكنت رأسي: «أعرف كيف ستنتهي». وفي مرة أخرى، حمّلت كلمة عابرة أكثر مما تحتمل، فصارت ثقلًا على يومي، ودليلًا داخليًا على شكوك لم تقع. لم تكن الوقائع هي من يقودني، بل تلك المسافة الخفية بين ما يحدث فعلًا، وما أقرره عنه دون وعي. تراكم هذا التكرار حتى دفعني إلى مواجهة سؤالٍ غير مريح: هل نعيش الأحداث، أم نعيش روايتنا عنها؟ وهل اللغة التي نخاطب بها أنفسنا مجرد صدى، أم أنها اليد التي تمسك بالدفة من حيث لا ننتبه؟ من هذا السؤال انفتحت رحلة البحث؛ رحلة لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، حيث يلتقي التفكير بالكلمة، ويتحوّل المعنى إلى شعور، ثم إلى سلوك. مع الوقت، بدأت ألاحظ أن الحدث في ذاته غالبًا بريء. ما يثقله هو التفسير السريع الذي نمنحه له. كلمة تُقال، موقف يمرّ، نظرة عابرة... ثم يتكفّل العقل بكتابة القصة كاملة، ويُقنعنا بأنها الحقيقة. وهنا تتشكّل الحلقة: فكرة تتكرّر، لغة داخلية تترسّخ، وسلوك يعيد إنتاج النتيجة نفسها. لسنا أسرى الواقع بقدر ما نحن أسرى القراءة المتعجلة له. في سياق هذا البحث، تعرّفت لاحقًا على ما يُعرف بالبرمجة العصبية اللغوية، بوصفها منهجًا يحاول تفسير هذا التشابك بين التفكير واللغة والسلوك. الفكرة الأساسية فيه أن الإنسان لا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل مع تمثيله الداخلي له، وأن اللغة التي نستخدمها - صامتة كانت أم منطوقة - تلعب دورًا محوريًا في تشكيل هذا التمثيل. ما نقوله لأنفسنا لا يصف التجربة فقط، بل يوجّهها. تحت هذا المفهوم، تُطرح أفكار مثل الانتباه للجُمل الداخلية المتكررة، وإعادة النظر في التفسيرات المطلقة، ومحاولة تفكيك العبارات القاسية التي نطلقها على ذواتنا دون تفكير، كأن نقول: «أنا دائمًا أفشل» أو «هذا لا ينجح معي». هذه الجُمل، مع التكرار، تتحول من رأي عابر إلى قناعة، ومن قناعة إلى مسار سلوكي مغلق. غير أن الانجذاب الأولي لهذا الطرح لا ينبغي أن يُعفينا من السؤال. فكما أن للغة أثرًا حقيقيًا، فإن تضخيم هذا الأثر وتحويله إلى وعدٍ شامل بالتغيير السريع يُفرغه من قيمته. البرمجة العصبية اللغوية، في جوهرها، أداة وعي وانتباه، لكنها كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها حلًا سحريًا، أو طريقًا مختصرًا لإعادة تشكيل الحياة، وهو ادّعاء لا تصمد أمامه التجربة ولا العلم. التجربة الشخصية علّمتني أن الخطر لا يكمن في استخدام هذا المنهج، بل في التسليم له دون نقد. فالنفس الإنسانية أعقد من أن تُختزل في «برمجة»، والتغيير الحقيقي لا يحدث بالقفز فوق الأسئلة، بل بالوقوف أمامها. بعض ما يطرحه هذا المنهج يضيء زوايا مهمّة فعلًا، خاصة ما يتعلّق بالوعي باللغة الداخلية، وتخفيف حدّة الأحكام الذاتية، والانتباه للتعميمات المدمّرة. لكن ما يتجاوز ذلك يحتاج إلى فهم أعمق، ومسؤولية أكبر في التعامل مع الذات. ما خرجتُ به في النهاية أن التغيير لا يبدأ بمحاولة السيطرة على الأفكار، بل بملاحظتها. بالقدرة على خلق مسافة صغيرة بين الحدث وردّة الفعل، لأن هذه المسافة تحديدًا هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه كسر النمط القديم. هناك، فقط هناك، يستطيع الإنسان أن يختار معنى مختلفًا، وأن يمنح التجربة اتجاهًا آخر. ليست الحياة سلسلة أحداث مفروضة علينا، ولسنا نحن ضحايا لغتنا الداخلية كما نتصور، لكننا مسؤولون عن تلك اللحظة الدقيقة التي نمنح فيها الحدث تفسيره الأول. في هذه اللحظة يتشكّل الشعور، ويتحدد السلوك، وتُرسم النتيجة. وحين نعي هذه الحقيقة، نكون قد بدأنا التغيير الحقيقي؛ لا بوصفة جاهزة، بل بوعيٍ أعمق، وبأسئلة صادقة، وبشجاعة النظر إلى الداخل قبل أن نلوم الخارج.