نائب أمير جازان يستقبل رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة    أمير جازان يستقبل رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة    فيصل بن فرحان يلتقي وزير خارجية فرنسا    فيصل بن بندر يستقبل مديري التعليم والبيئة والمياه والزراعة بالمنطقة    التخصصي" يتوج بجائزة بيئة العمل الصحية من سيجما العالمية    تجمع عسير الصحي يحتفي بالعيد ويشكر مرابطيه على جهودهم    هل يساهم الأهلي في تواجد الهلال في كأس العالم للأندية؟    قمة عربية بجدة.. "الأخضر" و"الفراعنة" في اختبار مونديالي مثير على ملعب الإنماء    ميامي تستضيف قمة قمة الأولويات لمبادرة مستقبل الاستثمار (FII PRIORITY) .. اليوم    "سار" تطلق ممرًا لوجستيًا دوليًا يربط موانئ الخليج العربي بالأردن ودول شمال المملكة    برعاية محافظ الطائف… انطلاق فعاليات الملتقى العالمي للورد والنباتات العطرية    الشؤون الإسلامية بجازان تعايد منسوبيها وتثمن جهودهم في رمضان وتعزز روح الألفة    الأصول الاحتياطية للبنك المركزي السعودي تتجاوز 1.7 تريليون ريال بنهاية 2025م بنمو سنوي 5.3%    رابطة العالم الإسلامي تُرحّب باعتماد مجلس حقوق الإنسان بالإجماع قرارًا يُدين الاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية والأردن    ارتفاع أسعار النفط    سقوط شظايا صاروخ على سطح منزلين ولا إصابات    الفراعنة يتفوقون على الصقور الخضر    ذكرى البيعة عهدٌ يتجدد    سلام هي حتى مطلع الفجر    ربيع الرياض    تحذيرات متكررة.. ومغامرة مستمرة    أنغام تفتح تاريخها الفني في ليلة طربية مرتقبة    بشار الشطي يطلق أغنية «بترد الأيام»    مواهب واعدة تَطرُق الطموح في «the Voice Kids 4»    العيد في السعودية.. حكاية طمأنينة    الهلال قادم لخطف الصدارة    سيكولوجية الحروب    الأمم المتحدة: الهجمات الإيرانية على المدنيين في الخليج ترقى إلى جرائم حرب    اليمامة الصحفية تقيم حفل معايدة لمنسوبيها بمناسبة عيد الفطر    تفاقم مخاطر الانفجار الإقليمي.. تحذير أممي: ضربات المنشآت النووية تنذر ب«كارثة مطلقة»    قتلى وجرحى وتوتر حول وقف النار.. قصف الاحتلال مستمر على غزة    مفتو العالم الإسلامي: العدوان الإيراني إجرام غير مسبوق    ارتفاع السوق    تربة المريخ.. سماد نباتات صالحة للأكل    أسرة محرق تتلقى التعازي    الأرصاد تحذر من شواهق مائية وأعاصير قمعية    طرحت برامج نوعية في مجالات صحية متقدمة.. «كاساو» تفتح باب القبول للدراسات العليا    ذكريات العيد في مجلس البسام    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ علي زيدان البلوي بوفاة والدهم    161 ترخيصًا و 1419 وظيفة.. 3.14 مليار ريال استثمارات صناعية جديدة    تعدي عليها.. حبس شقيق شيرين عبد الوهاب    الاكتفاء بموافقة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.. توحيد إصدار تراخيص التعليم الإلكتروني الخاص    بتنظيم وزارة الثقافة ..الرياض تستضيف مهرجان الفنون التقليدية 2026    في ملحق تصفيات أوروبا لكأس العالم.. إيطاليا تتشبث بالأمل في مواجهة أيرلندا الشمالية    كلاسيكو البرازيل وفرنسا أبرز الوديات الدولية    كتب التاريخ خلال 9 أعوام ودون اسمه في قائمة الأساطير.. صلاح ينهي مشواره مع ليفربول بإرث لا ينسى    «التخصصي» ينجح في إجراء عملية سحب القولون ب «سونسن»    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    فعالية "عيد وسعادة" تُبهج أهالي الجبيل في أجواء احتفالية مميزة    على ضفاف المجاز.. شعراء صبيا يحيون اليوم العالمي للشعر في أمسية أدبية استثنائية    تحديد مواعيد زيارة مجمع طباعة المصحف    الصمعاني: تعزيز كفاءة الأداء لتطوير المنظومة العدلية    الأمم المتحدة: هجمات إيران على المدنيين في الخليج والأردن ترقى إلى جرائم حرب    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    «الإسلامية»: تقديم 2.3 مليون خدمة دعوية للمعتمرين    معايدة الأسر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما نصدقه أولا نعيشه أخيرا
نشر في الوطن يوم 17 - 01 - 2026

كنت أظنّ أن التغيير حدثٌ خارجي، وأن الحياة تتحرّك حين تتبدّل الظروف. لكن ما حيّرني طويلًا أن الظروف كانت تتبدّل فعلًا، بينما شيءٌ واحد يصرّ على البقاء: الشعور نفسه. كل مرة أبدأ من نقطة مختلفة، أنتهي إلى الإحساس ذاته، وكأن داخلي يحتفظ بخريطة لا تسمح لي بالخروج عن مسارها.
ذات مرة، أغلقت باب فرصة كنت أحتاجها، لا لأن الطريق إليها صعب، بل لأن جملةً قصيرة سكنت رأسي: «أعرف كيف ستنتهي». وفي مرة أخرى، حمّلت كلمة عابرة أكثر مما تحتمل، فصارت ثقلًا على يومي، ودليلًا داخليًا على شكوك لم تقع. لم تكن الوقائع هي من يقودني، بل تلك المسافة الخفية بين ما يحدث فعلًا، وما أقرره عنه دون وعي.
تراكم هذا التكرار حتى دفعني إلى مواجهة سؤالٍ غير مريح: هل نعيش الأحداث، أم نعيش روايتنا عنها؟ وهل اللغة التي نخاطب بها أنفسنا مجرد صدى، أم أنها اليد التي تمسك بالدفة من حيث لا ننتبه؟ من هذا السؤال انفتحت رحلة البحث؛ رحلة لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، حيث يلتقي التفكير بالكلمة، ويتحوّل المعنى إلى شعور، ثم إلى سلوك.
مع الوقت، بدأت ألاحظ أن الحدث في ذاته غالبًا بريء. ما يثقله هو التفسير السريع الذي نمنحه له. كلمة تُقال، موقف يمرّ، نظرة عابرة... ثم يتكفّل العقل بكتابة القصة كاملة، ويُقنعنا بأنها الحقيقة. وهنا تتشكّل الحلقة: فكرة تتكرّر، لغة داخلية تترسّخ، وسلوك يعيد إنتاج النتيجة نفسها. لسنا أسرى الواقع بقدر ما نحن أسرى القراءة المتعجلة له.
في سياق هذا البحث، تعرّفت لاحقًا على ما يُعرف بالبرمجة العصبية اللغوية، بوصفها منهجًا يحاول تفسير هذا التشابك بين التفكير واللغة والسلوك. الفكرة الأساسية فيه أن الإنسان لا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل مع تمثيله الداخلي له، وأن اللغة التي نستخدمها - صامتة كانت أم منطوقة - تلعب دورًا محوريًا في تشكيل هذا التمثيل. ما نقوله لأنفسنا لا يصف التجربة فقط، بل يوجّهها.
تحت هذا المفهوم، تُطرح أفكار مثل الانتباه للجُمل الداخلية المتكررة، وإعادة النظر في التفسيرات المطلقة، ومحاولة تفكيك العبارات القاسية التي نطلقها على ذواتنا دون تفكير، كأن نقول: «أنا دائمًا أفشل» أو «هذا لا ينجح معي». هذه الجُمل، مع التكرار، تتحول من رأي عابر إلى قناعة، ومن قناعة إلى مسار سلوكي مغلق.
غير أن الانجذاب الأولي لهذا الطرح لا ينبغي أن يُعفينا من السؤال. فكما أن للغة أثرًا حقيقيًا، فإن تضخيم هذا الأثر وتحويله إلى وعدٍ شامل بالتغيير السريع يُفرغه من قيمته. البرمجة العصبية اللغوية، في جوهرها، أداة وعي وانتباه، لكنها كثيرًا ما تُقدَّم بوصفها حلًا سحريًا، أو طريقًا مختصرًا لإعادة تشكيل الحياة، وهو ادّعاء لا تصمد أمامه التجربة ولا العلم.
التجربة الشخصية علّمتني أن الخطر لا يكمن في استخدام هذا المنهج، بل في التسليم له دون نقد. فالنفس الإنسانية أعقد من أن تُختزل في «برمجة»، والتغيير الحقيقي لا يحدث بالقفز فوق الأسئلة، بل بالوقوف أمامها. بعض ما يطرحه هذا المنهج يضيء زوايا مهمّة فعلًا، خاصة ما يتعلّق بالوعي باللغة الداخلية، وتخفيف حدّة الأحكام الذاتية، والانتباه للتعميمات المدمّرة. لكن ما يتجاوز ذلك يحتاج إلى فهم أعمق، ومسؤولية أكبر في التعامل مع الذات.
ما خرجتُ به في النهاية أن التغيير لا يبدأ بمحاولة السيطرة على الأفكار، بل بملاحظتها. بالقدرة على خلق مسافة صغيرة بين الحدث وردّة الفعل، لأن هذه المسافة تحديدًا هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه كسر النمط القديم. هناك، فقط هناك، يستطيع الإنسان أن يختار معنى مختلفًا، وأن يمنح التجربة اتجاهًا آخر.
ليست الحياة سلسلة أحداث مفروضة علينا، ولسنا نحن ضحايا لغتنا الداخلية كما نتصور، لكننا مسؤولون عن تلك اللحظة الدقيقة التي نمنح فيها الحدث تفسيره الأول. في هذه اللحظة يتشكّل الشعور، ويتحدد السلوك، وتُرسم النتيجة. وحين نعي هذه الحقيقة، نكون قد بدأنا التغيير الحقيقي؛ لا بوصفة جاهزة، بل بوعيٍ أعمق، وبأسئلة صادقة، وبشجاعة النظر إلى الداخل قبل أن نلوم الخارج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.