أحد التحديات العميقة التي نواجهها في حياتنا اليومية هو ضعف قدرتنا على توجيه أمزجتنا وانفعالاتنا، إذ تميل النفس بطبيعتها إلى الانفلات والانحدار نحو اضطرابٍ داخلي متكرر. ولا أميل إلى استخدام كلمة «التحكم» رغم شيوعها في الكتابات الفلسفية والنفسية، لأنني لا أرى أن التحكم الكامل ممكنًا أو حتى إنسانيًا في جوهره؛ فالنفس ليست آلة تُدار بالأزرار، بل كائن حيٌّ يتقلّب ويتأثر ويتغيّر. إن أقصى ما يمكن للإنسان أن يبلغه هو التوجيه الواعي، أي أن يتعلّم كيف يُصغي لحركته الداخلية، فيعيد توجيهها برفقٍ مع المحافظة على قوته الداخلية، ويقودها بحزم دون أن يفقد توازنه. إننا لا نعيش دائمًا بوعي، بل كثيرًا ما نُساق كأننا على وضع الطيار الآلي؛ نكرر أفعالنا يومًا بعد يوم بلا انتباه، ننفعل بدل أن نختار، ونُستدرج بسهولة إلى أدوار لا ننتبه كيف دخلناها. يحدث ذلك لأن مراقبنا الداخلي في حالة سبات عميق؛ لا يلتقط الإشارات، ولا يلاحظ التغيّرات، فضلًا عن أن يوجّهها. وهنا تتجلّى أهمية التوجيه الواعي بوصفه يقظةً داخلية تجعلنا نحضر في لحظتنا، نفهم أنفسنا، نلاحظ مشاعرنا بلطف، ونختار ردودنا بدل أن نستسلم لها. الانتباه هو مهارة أن نكون حاضرين، لا بمعنى الانتباه للمهام فقط، بل بأن نراقب كيف نفكر، نشعر، ونتفاعل. هو أن نلتقط التوتر قبل أن يصبح غضبًا، والانزعاج قبل أن يتحول إلى خصام. أن نوقف السيل قبل أن يغمرنا ونغرق فيه. كما قال سينيكا في رسالته إلى لوكيليوس: (أمورٌ أكثرُ هي التي تُرعبنا مما تُسحقنا؛ ونحن نعاني في أغلب الأحيان في الخيال لا في الواقع). وهذه الفكرة دقيقة؛ فحين نترك أفكارنا وانفعالاتنا دون وعي، نصنع داخلنا عالماً من التوترات الوهمية، ومع الوقت يتحول ذلك إلى فوضى حقيقية في سلوكنا اليومي. فالتفلت البسيط - في نبرة، أو نظرة، أو كلمة - قد يبدو عابرًا، لكنه ينسج عادات ذهنية وانفعالية تُراكم الفوضى في دواخلنا، حتى نجد أنفسنا أمام انهيار لم نرَ بدايته. أما بوثيوس، الفيلسوف الروماني، فقد قال: (من يرد أن يكون ذا سلطان، فليبسط سلطانه أولًا على نفسه). والمعنى هنا عميق وبسيط في آنٍ معًا: فقبل أن تحاول إصلاح علاقتك، أو تربية أبنائك، أو التأثير فيمن حولك... توقّف لحظة واسأل نفسك: هل أنت حاضر فعلًا مع نفسك؟ وهل تبسط سلطتك الداخلية - لا بالقهر أو الإنكار، بل بالفهم والمراقبة والتوجيه - على ما يدور في أعماقك من أفكار ومشاعر؟ فمن لا يملك زمام نفسه، لن يستطيع أن يمنح الاتزان لأحد. وسلطان الداخل هو الأصل، وما عداه ظلّ له. الانتباه لا يعني أن تُفرط في مراقبة نفسك حتى تنشغل بها عن الحياة. فهو ليس قلقًا داخليًا ولا وسوسة مزعجة، بل حضور لطيف، واعٍ، ومتّزن. أن تراقب ما يدور في داخلك، بهدوء ورفق، دون مبالغة وتضخيم ولا إنكار ورفض. ففي هذه الحالة فقط، يمكنك أن تمرّ بالغضب أو الحزن دون أن تنساق وراءهما، ودون أن تتجاوز الحدّ في ردود فعلك. إنك لا تُنكر مشاعرك، بل تفهمها، وتوجّهها، وتحسن تدبيرها. وحُسنُ تدبير الذات لا يتحقق دفعة واحدة، بل يُبنى عبر ممارسة واعية ومتدرجة: تأمل صادق، وكتابة تأملية، ومراجعة هادئة ليومك، وربما زيارة أخصائي اجتماعي أو نفسي عند الحاجة. أن تسأل نفسك كل مساء: ما الذي أثارني اليوم؟ بهذا الشكل؟ هل كنت حقيقيًا في ردّي، أم مندفعًا؟ لماذا لم أرسم الحدود بوضوح مع شريكي لما فعل ذلك التصرف؟ بهذا التدرّب اليومي، تصبح أقرب إلى ذاتك، وأكثر وعيًا في حضورك وتفاعلك. هكذا يصبح الانتباه بوابة للحرية الداخلية، لا لتحويلنا إلى كائنات مثالية، بل إلى بشر أقل انجرافًا، أكثر وعيًا. ومن يعتاد هذا المسار، سيكتشف أن كثيرًا من مشكلاته لم تكن في الخارج كما كان يظن، بل في طريقة حضوره داخل نفسه. يمكن القول إن الناس في تعاملهم مع الانتباه يمرّون بثلاث مراحل متمايزة، تبدأ بالعابر المؤقت، وتنضج بالتدرّب، وتنتهي بالتمكّن الراسخ: أولًا: العابرون به: يرونه كومضة عابرة، لحظة وعي سريعة الزوال، لا يلبثون أن يغادروا ترددها، فيغلب عليهم التشتّت والانفعال. ثانيًا: المتدرّبون عليه: من أدركوا أنه مهارة قابلة للتعلّم، فصاروا يسعون لتفعيله عبر الممارسة اليومية، نحو وعي أعمق بذواتهم. ثالثًا: المتمكّنون منه: من رسخ فيهم الانتباه، حتى صار ملكة راسخة، تحضر معهم تلقائيًا في معظم المواقف، دون افتعال ولا تكلّف. وهنا تساؤل عميق: هل يمكن لوعيك أن يكون في المرحلة الثالثة، بحيث يكون انتباهك ملكة راسخة بطيئة الزوال، لا جهدًا عابرًا؟ ومن حسن تدبير الذات أيضًا، في سياق تجربتنا اليومية، أن نُفَعّل مهارة الانتباه، لأنه يُعزز فينا قوة الاختيار ووضوح البصيرة، ورؤية الفرص وفي نفس الوقت التهديدات. وهذا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جانبٌ جوهري لا يمكن إهماله، لمن أراد أن يعيش حاضرًا بذاته، لا مُنقادًا بانفعالاته. في النهاية، من لا يحسن تدبير نفسه بانتباه، ستظل حياته خاضعة لتقلبات مزاجه ومؤثراته. أما من تعلّم أن يلاحظ، ويراقب، لا أن ينفعل، فقد بدأ بالفعل في بسط سلطانه الداخلي، وذاك سلطان لا يُنتزع، بل يُبنى. إن الانتباه والتوجيه الواعي ليسا غاية في الكمال، ولا طريقًا لتصنع البشرية، بل أدوات لعيش أكثر توازنًا، وفهم أعمق لذاتنا وللآخرين. فمن يعتاد هذا المسار، سيكتشف أن كثيرًا من مشكلاته لم تكن في الخارج كما كان يظن، بل في طريقة حضوره داخل نفسه، وفي القدرة على مراقبة انفعالاته وتوجيهها بلطف ووعي. رحلتك الفردية نحو تفعيل مهارة الانتباه رحلة متواصلة، وليست لحظة عابرة. إنها تدريب على الحضور، على فهم النفس، على إدراك المشاعر، وعلى اختيار الردود بدل الانجراف وراء الانفعالات. وفي هذا الوعي تكمن الحرية الداخلية، والفهم الحقيقي للعالم حولنا. وهكذا، يصبح الانتباه ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية في عالم تتضاعف فيه المؤثرات، وتتآكل المسافة بين الفعل والرد، بين الانفعال والاختيار. ومن يخطو هذه الخطوات، يكتشف أن حضوره الواعي هو ما يمنحه اتزانًا داخليًا، ويجعله قادرًا على العيش بصدق، وبمرونة، وبسلام مع ذاته ومع الآخرين.