يقول أنطون تشيخوف: «إن الإنسان لا يُختزل في ما يُظهره للناس... فخلف كل وجهٍ مألوفٍ متاهةٌ كاملة من الدوافع والخيبات والرغبات المكبوتة... ومن يظنّ أنه فهم إنسانًا فهمًا تامًا، إنما أعلن جهله على الملأ». ليست المعاناة الكبرى تلك التي تهبط علينا فجأة... بل تلك التي تنمو ببطء، في صمتٍ كثيف، داخل العلاقات... داخل الكلام اليومي العابر... داخل النظرات التي لا نلتفت إليها... كأن الألم، في جوهره، لا يجيء من الاصطدامات العنيفة، بل من الاحتكاكات المتكرّرة التي لا نمنحها وزنها العقلي ولا حقّها التحليلي. فالإنسان، حين يقترب من إنسان آخر، لا يدخل علاقةً بريئة... بل يدخل شبكةً من التوقّعات والافتراضات والإسقاطات النفسية... يدخل وهو محمّل بتاريخٍ طويل من التجارب غير المحسومة... فيرى الآخر لا كما هو... بل كما يحتاجه أن يكون... وهنا تبدأ أولى المغالطات المنطقية في فهم الطبيعة البشرية. إننا نخلط بين النوايا والنتائج... بين الكلمات والدوافع... بين اللطف العابر والبنية الأخلاقية العميقة... فنُحسن الظنّ حيث ينبغي التحفّظ... ونُسقِط الثقة حيث يلزم التريّث... ثم نتساءل، لاحقًا، عن مصدر الخيبة... كأن الخيبة كيانٌ وافدٌ من الخارج... لا نتيجة مباشرة لسوء القراءة. والقراءة الخاطئة للناس لا تنبع من قلّة الذكاء... بل من وفرة التسرّع... ومن ميل العقل إلى الاقتصاد في الجهد... إذ يميل الإنسان، بطبيعته، إلى تصنيف الآخرين بسرعة... لأن التعقيد مُرهق... والتفكير العميق مُكلف نفسيًا... فيلجأ العقل إلى أقصر طريق... حتى لو كان مضلِّلًا. هنا تبرز حقيقة قلّما يُلتفت إليها: أن الإنسان لا يُعرَف من أقواله... بل من تكرار أفعاله... لا من مواقفه الاستثنائية... بل من عاداته اليومية... فالفعل العارض قد يكون قناعًا... أما النمط فهو الجوهر. ومن يغضب مرة قد يعتذر... أما من يُكثر من الغضب، فهو لا يغضب... بل يُفصح. ومن يخطئ صدفة قد يُصلح... أما من يُعيد الخطأ، فهو لا يخطئ... بل يكرّر ذاته. المنطق هنا لا يحتاج إلى تعقيد فلسفي... بل إلى شجاعة في الملاحظة... شجاعة في الاعتراف بأن الناس يقولون عن أنفسهم أكثر مما نريد أن نسمع... لكننا لا نصغي. ثمّة لحظات نادرة... يسقط فيها القناع دون قصد... تحت ضغط السلطة... أو الخسارة... أو الغيرة... أو الشعور بالتهديد... وفي تلك اللحظات، لا يتصرّف الإنسان كما يخطّط... بل كما هو... إذ تنسحب الرقابة الواعية، وتطفو الطبقات العميقة من الشخصية... تلك التي تشكّلت في الطفولة... في العلاقات الأولى... في الخيبات المبكرة التي لم تُشفَ. فالطفولة ليست مرحلة زمنية تنقضي... بل بنية نفسية تستمر... نُغادر البيوت... لكن البيوت لا تغادرنا... نكبر في العمر... لكن الطفل الداخلي يظلّ يحرّك الاستجابات... يكره دون سببٍ واضح... يخاف دون خطرٍ حقيقي... يثق حيث لا ينبغي... أو يشكّ حيث لا داعي. ومن هنا تنشأ ظاهرة الإسقاط... تلك الآلية الخفيّة التي نُلبس بها الآخرين وجوهًا من ماضينا... فنُحاكم الحاضر بأدوات الماضي... ونُخطئ التقدير... ثم نُعاقَب بالنتائج. إن أخطر ما في العلاقات الإنسانية... ليس سوء النيّة... بل سوء الفهم. لأن سوء النيّة واضح... يُقاوَم... يُواجَه... أما سوء الفهم... فيعمل في الظلّ... يتراكم... ويتحوّل إلى برودٍ غامض... إلى مسافات غير مبرّرة... إلى قطيعة بلا حادثة واضحة. نقول كلمة... ونمضي. لكن الكلمة لا تمضي... بل تستقرّ في موضعٍ حسّاس من نفس الآخر... ونحن لا ندري. ثم نُفاجأ، بعد حين، بجدارٍ صامت... فنقف أمامه حائرين... لأننا لم نرَ اللحظة التي وُضع فيها حجره الأول. ولو تأمّل الإنسان قليلًا... لأدرك حقيقة منطقية صارمة: أن الجهل بالآخر لا يعفي من تبعات التعامل معه. وأن حسن النيّة لا يُلغِي سوء التقدير. وأن عدم الفهم... ليس حالة محايدة... بل خطرٌ فعلي. لهذا، لا يكون الوعي بالناس ترفًا نفسيًا... بل ضرورة وجودية. أن تراقب لا لتُدان... بل لتفهم. أن تنتبه لا لتُدين... بل لتحمي نفسك. أن تُحلّل لا لتتعالى... بل لتتّزن. فالناس، في النهاية، لا يُؤذوننا لأنهم أشرار بالضرورة... بل لأنهم أسرى أنماطهم... ونحن أسرى توقّعاتنا. وحين يلتقي الأسران... يولد الصدام. ومن هنا يبدأ التحرّر الحقيقي... حين نكفّ عن شخصنة كل شيء... وحين نفهم أن كثيرًا مما يصدر عن الناس لا علاقة له بنا... بل بتاريخهم هم... بجراحهم المؤجّلة... بصراعاتهم الداخلية التي لم تُحلّ. وحين نصل إلى هذه النقطة من الفهم... لا نصبح أقلّ حساسية... بل أكثر حكمة... لا أقلّ إنسانية... بل أكثر اتزانًا... لأننا نرى البشر كما هم... لا كما نحتاجهم أن يكونوا. وهكذا... لا يعود الألم لغزًا... بل نتيجة مفهومة... ولا تعود الخيبة صدمة... بل درسًا متأخرًا...ولا يعود الإنسان عدوًّا...بل كائنًا معقّدًا... يستحق أن يُفهَم... قبل أن يُدان.