كنت أستسخف مصطلح «شوقر دادي» حتى تمت شرعنته إعلاميًا. هذا المصطلح الذي تعتريه كل أشكال القصور بداية من لفظه الدخيل والذي يكتب بحروفنا العربية دون أن نتمكن من ترجمته إلى معنى واضح نتفاهم عليه بلا شرح وتبرير، ومرورًا بضمور دلالته وانتهاء بحمولته الأخلاقية الثقيلة التي أصبحت توزع على الناس بالمجان. ما ظاهرة «الشوقر دادي»؟ وكيف يمكننا القبض عليها دون أن نسيء للمجتمع؟ عمن نتحدث هنا؟ وكيف يمكننا - أن تواطأنا على المصطلح- تصنيف هذه الظاهرة؟ هل هي انحراف أخلاقي، أم أزمة نفسية، أم سلوك اجتماعي مشترك، أم تصرفات فردية؟ ثم من هم هؤلاء الذين تشير إليهم هذه التسمية؟ هل هم كبار السن يرتادون المقاهي والمولات؟ أم الذين يحاولون الحديث مع الفتيات ولو كان حديثا عاديا في مكان عام؟ أم أنهم أولئك الذين يخوضون مغامرات عابرة؟ أو يدخلون في علاقات عاطفية يتم فيها استغلالهم ماديا؟ وهل نتحدث هنا عن الذات أم عن الموضوع؟ هل نحاكم السلوك باعتباره غير لائق من أي شخص، أم نجرمه فقط لأنه صدر من رجل تجاوز الخمسين؟ إن الخلط بين العمر والفعل يخلق صورة ذهنية مختزلة توقعنا في مأزق التصورات اللاواعية. فتتشكل فكرة افتراضية بأن الصورة اللائقة لكبار السن هي السقوط في الهوامش والانسحاب من الحياة العامة. بالرجوع إلى أصل الكلمة فإن أول استخدام لها جاء مرتبطًا بزواج ثري أمريكي كان يعمل في صناعة السكر هو (أدولف سبيكلر) من امرأة تصغره ب 24 عامًا، استخدمت الصحافة الأمريكية وقتها مصطلح sugar daddy بسبب ثروته المرتبطة بصناعة السكر، إضافة لفارق العمر. فالمصطلح إذا منحوت من ثقافة مختلفة لا علاقة لها بالسياق العربي، وعند نقله إلينا فقد معناه الأصلي، واكتسب دلالات مهينة لكبار السن، كما أصبح لصيقا بفئة عمرية بدلا من وصف علاقة محددة. المشكلة الأساسية ليست في الفعل الذي يفترض أن المصطلح يصفه، بل في تعويم الكلمة نفسها، فهي لا تعد مصطلحًا مهنيًا ولا وصفًا اجتماعيًا دقيقًا. ولعل هذا ما يثير ردود الفعل السلبية تجاه استخدامها. وأعتقد أن دخول مصطلح فضفاض ومتحيز إلى لغة الإعلام، مشكلة تستوجب النقد. لأن الإعلام حين يكرر الكلمة يمنحها الشرعية، ومنح الشرعية لمفهوم غامض ومشكل يعني خلق وصمة اجتماعية جديدة. هنا لا نطلب تكميم الأفواه، ولا تشديد الرقابة، بل مساءلة اللغة، فاللغة أداة تصنع المواقف وتخلق الأطر التي تتحرك فيها فئات المجتمع. ولأن اللغة هنا مختلة، جاءت ردود الفعل منطقية، لقد رفض المجتمع تكرار المصطلح عبر الإعلام دفاعًا عن حق فئة عمرية في ألا تساء معاملتها لغويًا. ختامًا.. كبار السن جزء أصيل من بنية المجتمع، وشريحة تمثل المسار الطبيعي للحياة الإنسانية. ومعالجة أي مشكلة يمرون بها واجب مدني وأخلاقي، كما أن احترامهم هو معيار لمدى نضج المجتمع ورقي قيمه.